الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله : وكره أذان الجنب وإقامته وإقامة المحدث وأذان المرأة والفاسق والقاعد والسكران ) ، أما أذان الجنب فمكروه رواية واحدة ; لأنه يصير داعيا إلى ما لا يجيب إليه وإقامته أولى بالكراهة قيد بالجنب ; لأن أذان المحدث لا يكره في ظاهر الرواية وهو الصحيح ; لأن للأذان شبها بالصلاة حتى يشترط له دخول الوقت وترتيب كلماته كما ترتبت أركان الصلاة وليس هو بصلاة حقيقة فاشترط له الطهارة عن أغلظ الحدثين دون أخفهما عملا بالشبهين وقيل يكره لحديث الترمذي عن أبي هريرة قال { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤذن إلا متوضئ } ، وأما إقامة المحدث فلأنها لم تشرع إلا متصلة بصلاة من يقيم ويروى عدم كراهتها كالأذان والمذهب الأول ، وأما أذان المرأة فلأنها منهية عن رفع صوتها ; لأنه يؤدي إلى الفتنة وينبغي أن يكون الخنثى كالمرأة ، وأما الفاسق فلأن قوله لا يوثق به ولا يقبل في الأمور الدينية ولا يلزم أحدا فلم يوجد الإعلام ، وأما القاعد فلترك سنة الأذان من القيام أطلقه وهو مقيد بما إذا لم يؤذن لنفسه ، فإن أذن لنفسه قاعدا فإنه لا يكره لعدم الحاجة إلى الإعلام ويفهم منه كراهته مضطجعا بالأولى

                                                                                        وأما السكران فلعدم [ ص: 278 ] الوثوق بقوله وهو داخل في الفاسق لكن قد يكون سكره من مباح فلا يكون فاسقا فلذا أفرده بالذكر وأشار به إلى كراهة أذان المجنون والصبي الذي لا يعقل بالأولى لما ذكرنا ولم يتعرض المصنف لإعادة أذان من كره أذانه وفيه تفصيل قالوا يعاد أذان الجنب لا إقامته على الأشبه ، كذا في الهداية وهو الأصح كما في المجتبى ; لأن تكراره مشروع كما في أذان الجمعة ; لأنه لإعلام الغائبين فتكريره مفيد لاحتمال عدم سماع البعض بخلاف تكرار الإقامة إذ هو غير مشروع ويفهم منه عدم إعادة إقامة المحدث بالأولى وظاهر كلام الشارح أن الإعادة لأذان الجنب مستحبة لا واجبة ; لأنه قال وإن لم يعد أجزأه الأذان والصلاة وصرح في الظهيرية باستحباب إعادته وصرح قاضي خان بأنه تجب الطهارة فيه عن أغلظ الحدثين دون أخفهما فظاهره كغيره أن كراهة أذان الجنب تحريمية لترك الواجب وإن كانت إعادته مستحبة ويعاد أذان المرأة والسكران والمجنون والمعتوه والصبي الذي لا يعقل لعدم الاعتماد على أذان هؤلاء فلا يلتفت إليهم فربما ينتظر الناس الأذان المعتبر ، والحال أنه معتبر فيؤدي إلى تفويت الصلاة أو الشك في صحة المؤدى أو إيقاعها في وقت مكروه وهذا لا ينتهض في الجنب وغاية ما يمكن أن ينهض فسقه وصرح بكراهة أذان الفاسق ولا يعاد فالإعادة فيه ليقع على وجه السنة وفي الخلاصة خمس خصال إذا وجدت في الأذان والإقامة وجب الاستقبال إذا غشي على المؤذن في أحدهما أو مات أو سبقه حدث فذهب وتوضأ أو حصر فيه ولا ملقن أو خرس يجب الاستقبال وفي فتاوى قاضي خان معناه

                                                                                        فإن حمل الوجوب على ظاهره احتيج إلى الفرق بين نفس الأذان فإنه سنة واستقباله بعد الشروع فيه وتحقق العجز عن إتمامه ، وقد يقال فيه إذا شرع فيه ، ثم قطع تبادر إلى ظن السامعين أن قطعه للخطأ فينتظرون الأذان الحق ، وقد تفوت بذلك الصلاة فوجب إزالة ما يفضي إلى ذلك بخلاف ما إذا لم يكن أذان أصلا حيث لا ينتظرون بل يراقب كل منهم وقت الصلاة بنفسه أو ينصبون لهم مراقبا إلا أن هذا يقتضي وجوب الإعادة فيمن ذكرناهم آنفا إلا الجنب ، كذا في فتح القدير والظاهر أن الوجوب ليس على حقيقته بل بمعنى الثبوت لما في المجتبى وإذا غشي عليه في أذانه أو أحدث فتوضأ أو مات أو ارتد فالأحب استقبال الأذان وكذا صرح بالاستحباب في الظهيرية وفي السراج الوهاج وفي القنية وقف في الأذان لتنحنح أو سعال لا يعيد وإن كانت الوقفة كثيرة يعيد . ا هـ .

                                                                                        وذكر الشارح أن إعادة أذان المرأة والسكران مستحبة فصار الحاصل على هذا أن العدالة والذكورة والطهارة صفات كمال للمؤذن لا شرائط صحة فأذان الفاسق والمرأة والجنب صحيح حتى يستحق المؤذن معلوم وظيفة الأذان المقررة في الوقف ويصح تقرير الفاسق فيها وفي صحة تقرير المرأة في الوظيفة تردد لكن ذكر في السراج الوهاج إذا لم يعيدوا أذان المرأة فكأنهم صلوا بغير أذان فلهذا كان عليهم الإعادة وهو يقتضي عدم صحته وينبغي أن لا يصح أذان الفاسق بالنسبة إلى قبول خبره والاعتماد [ ص: 279 ] عليه لما قدمناه من أنه لا يقبل قوله في الأمور الدينية كما صرح به الشارح ، وأما العقل فينبغي أن يكون شرط صحة فلا يصح أذان الصبي الذي لا يعقل والمجنون والمعتوه أصلا ، وأما الصبي الذي يعقل فأذانه صحيح من غير كراهة في ظاهر الرواية إلا أن أذان البالغ أفضل ، كذا في السراج الوهاج وفي المجمع ويكره أذان الصبي ويجزئ وأطلقه فعلى هذا يصح تقريره في وظيفة الأذان ، وأما الإسلام فينبغي أن يكون شرط صحة فلا يصح أذان كافر على أي ملة كان لكن هل يكون بالأذان مسلما قال البزازي في فتاويه من باب السير وإن شهدوا على الذمي أنه كان يؤذن ويقيم كان مسلما سواء كان الأذان في السفر أو الحضر ، وإن قالوا سمعناه يؤذن في المسجد فلا شيء حتى يقولوا هو مؤذن ، فإن قالوا ذلك فهو مسلم ; لأنهم إذا قالوا هو مؤذن كان ذلك عادة له فيكون مسلما . ا هـ .

                                                                                        فالحاصل أنه لا يكون بالأذان مسلما إلا إذا صار عادة له مع إتيانه بالشهادتين وينبغي أن يكون ذلك في العيسوية وهم طائفة من اليهود ينسبون إلى أبي عيسى اليهودي الأصبهاني يعتقدون اختصاص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العرب فهذا لا يصير بالأذان مسلما ، وأما غيرهم فينبغي أن يكون مسلما بنفس الأذان . والله الموفق للصواب . وفي السراج الوهاج إذا ارتد المؤذن بعد الأذان لا يعاد أذانه ولو أعيد فهو أفضل .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله : فلأنها منهية عن رفع صوتها ) قال في النهر ولو خفضته أخلت بسنة الأذان . ( قوله : فلأن قوله لا يوثق به إلخ ) قال في النهر وهذا يقتضي ثبوتها ولو كان عالما بالأوقات ولم أر لهم ما إذا لم يوجد إلا جاهل بالأوقات تقي وعالم بها فاسق أيهما ، وقد قالوا في الإمامة : إن الفاسق أولى من الجاهل وعكسوا ذلك في القضاء والفرق لا يخفى إلا أنه ينبغي أن يكون الأذان كالإمامة [ ص: 278 ] ( قوله : وإن كانت إعادته مستحبة ) يشير إلى أنه لا منافاة بينه وبين ما في الظهيرية ; لأن الإعادة مقام آخر . ( قوله : وفي فتاوى قاضي خان معناه ) أي فيها معنى ما في الخلاصة وقوله فإن حمل الوجوب كلام مستأنف . ( قوله : إلا الجنب ) قال في فتح القدير بعد هذا ولو قال قائل فيهم إن علم الناس حالهم وجبت وإلا استحب ليقع فعل الأذان معتبرا وعلى وجه السنة لم يبعد وعكسه في الخمس المذكورة . ا هـ .

                                                                                        ( قوله : وهو يقتضي عدم صحته ) أقول : قال في البدائع يكره أذان المرأة باتفاق الروايات ولو أذنت للقوم أجزأهم حتى لا يعاد لحصول المقصود وهو الإعلام وروي عن أبي حنيفة أنه يستحب الإعادة وكذا يكره أذان الصبي الذي يعقل وإن كان جائزا حتى لا يعاد في ظاهر الرواية لحصول المقصود ، وأما الصبي الذي لا يعقل فلا يجزئ ويعاد ; لأن ما يصدر لا عن عقل لا يعتد به كصوت الطيور ويكره أذان المجنون والسكران وهل يعاد في ظاهر الرواية أحب إلي أن يعاد . ( قوله : وينبغي أن لا يصح أذان الفاسق إلخ ) كذا في النهر أيضا وظاهره أنه يعاد ، وقد صرح في معراج الدراية عن المجتبى أنه يكره ولا يعاد وكذا نقله بعض الأفاضل عن الفتاوى الهندية عن الذخيرة لكن في القهستاني اعلم أن إعادة أذان الجنب والمرأة والمجنون والسكران والصبي والفاجر والراكب والقاعد والماشي والمنحرف عن القبلة واجبة ; لأنه غير معتد به وقيل مستحبة فإنه معتد به إلا أنه ناقص وهو الأصح كما في التمرتاشي . ا هـ .

                                                                                        فقد صرح بإعادة أذان الفاجر أي الفاسق لكن في كون أذانه معتدا به نظر لما ذكره الشارح من عدم قبول قوله فحينئذ لا يفيد العلم بدخول الأوقات ومثله المجنون والسكران والصبي فالمناسب أن لا يعتد بأذانهم أصلا ولا يصح تقريرهم في وظيفة الأذان لعدم حصول فائدته ، وقد يقال مراده بالاعتداد به من جهة قيام الشعائر وعدم وجوب المقاتلة بتركه وعدم الإثم به




                                                                                        الخدمات العلمية