الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 188 ] باب الحيض الحيض : دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة ، ثم يعتادها في أوقات معلومة ; لحكمة تربية الولد ، فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته ; ولذلك لا تحيض الحامل ، فإذا وضعت الولد قلبه الله تعالى بحكمته لبنا يتغذى به الطفل ; ولذلك قلما تحيض المرضع ، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع . بقي ذلك الدم لا مصرف له ، فيستقر في مكان ، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة ، وقد يزيد على ذلك ، ويقل ، ويطول شهر المرأة ويقصر ، على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع ; وسمي حيضا من قولهم : حاض السيل . قال عمارة بن عقيل :

أجالت حصاهن الذواري وحيضت عليهن حيضات السيول الطواحم



وقد علق الشرع على الحيض أحكاما ; فمنها أنه يحرم وطء الحائض في الفرج ، لقول الله تعالى { : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } .

ومنها أنه يمنع فعل الصلاة والصوم ; بدليل { قول النبي صلى الله عليه وسلم : أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي } . رواه البخاري .

وقالت حمنة للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أستحاض حيضة شديدة منكرة ، قد منعتني الصوم والصلاة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : { إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة } ، ومنها أنه يسقط وجوب الصلاة دون الصيام ; لما روي { أن معاذة قالت : سألت عائشة ، فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ فقلت : لست بحرورية ، ولكني أسأل . فقالت : كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة } . متفق عليه . إنما قالت لها عائشة ذلك ; لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة .

ومنها أنه يمنع قراءة القرآن ; لقوله عليه السلام : { لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن } . ومنها أنه يمنع اللبث في المسجد ، والطواف بالبيت ; لأنه في معنى الجنابة . ومنها أنه يحرم الطلاق ; لقول الله تعالى : { إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } ، ولما { طلق ابن عمر امرأته وهي حائض أمره النبي صلى الله عليه وسلم برجعتها وإمساكها حتى تطهر } .

ومنها أنه يمنع صحة [ ص: 189 ] الطهارة ; لأن حدثها مقيم . ومنها أنه يوجب الغسل عند انقطاعه لقوله عليه السلام { أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي وصلي . } متفق عليه . وهو علم على البلوغ ; لقوله عليه السلام : { لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار . }

ولا تنقضي العدة في حق المطلقة وأشباهها إلا به ، لقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } . وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة .

وإذا ثبت هذا ، فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض ، ليعلم ما يتعلق به من الأحكام . قال أحمد ، رحمه الله : الحيض يدور على ثلاثة أحاديث : حديث فاطمة ، وأم حبيبة ، وحمنة . وفي رواية : حديث أم سلمة . مكان حديث أم حبيبة . وسنذكر هذه الأحاديث وغيرها في مواضعها ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث