الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثما

وهذه القاعدة مستنبطة من لفظ حديث عائشة رضي الله عنها ، ومعناه، وهو ( قولها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسـرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ) [1] .

ويشهد لهذه القاعدة ما فهمه الصحابة، رضي الله عنهم ، من أحواله الشريفة صلى الله عليه وسلم وميله إلى التيسـير، حتى إن بعضـهم استدل بهذا العموم على ما عرض له من غير أن يكون له في ذلك دليل خاص يرجع إليه، كما في قصة أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه ، عن الأزرق بين قيس قال: " كنا بالأهـواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها، قال شعبة ، وهو أبو برزة الأسلمي: فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إني سـمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سـت غزوات أو سبع غزوات أوثمانيا، وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إلى من أن أدعـها ترجع إلى مألفها فيشق علي " [2] ، فقد استخلص أبو برزة رضي الله عنه ، من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله الـدالة على التيسـير ما [ ص: 66 ] جعله يتبع دابته وهو في صلاته، وقد رد على من شدد عليه في أن يترك دابته [3] معللا ذلك بأنه لو فعل لأفضى به إلى المشقة، وهذا هو الاعتدال.

وهذه القاعدة ضابط قوي من ضوابط التيسير والتخفيف، إذ يتعين بموجبها أن يكون التيسـير المقبول محدودا بدائرة الجـائز والمباح، وأن أي تخفيف يخرج بصاحبه إلى ما حرم الله ونهى عنه أو يفضي به إلى ذلك فليس تيسيرا، وإنما هو من اتباع الهوى واتباع الشهوات. ولا يعترض على هذه القاعدة بحالات الضـرورة التي يخفف فيها بارتكاب المحظور، لأنا نقول: إن الجناح والإثم منفيان عن المضطر كما هو صريح النصوص التي وردت بذلك، ومن ثم فالاعتراض ساقط أصلا.

وقد نقل صـاحب «الظلال» جملة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التيسـير فقـال: وهكذا كان رسـول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمره.. ( ما خـير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ) ، كما روت عنه عائشة ، رضي الله عنها ، وكما قالت عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، بساما ضحاكا ) ؛ وفي صحيح البخاري : ( كانت الأمة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت ) !

وفي هديه صلى الله عليه وسلم في اللباس والطعام والفراش وغيرها ما يعبر عن اختيار اليسر وقلة التكليف ألبتة.

جاء في زاد المعاد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية ، عن هديه صلى الله عليه وسلم في «ملابسه»: كانت له عمامة تسمى السحاب كساها عليا، [ ص: 67 ] وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في صحيحه. ( عن عمر بن حريث قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. ) وفي مسلم أيضا عن جابر «ذؤابة»، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه».

وفي فصل آخر قال: والصواب أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سـنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها، وهي أن هديه في اللبـاس أن يلبس ما تيسر من اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر. ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة.. إلخ».

وقال في هديـه في الطعام: «وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام، لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا. فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسـه فيتركه من غير تحريم، وما عاب طـعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، كما ترك أكل الضب لما لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة، بل أكل على مائدته وهو ينظر. وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما، وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصا ومشوبا والسويق والعسل بالماء، وشرب نقيع التمر، وأكل الخزبرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق، [ ص: 68 ] وأكل القثاء بالرطب، وأكل الأقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل القديد، وأكل الدباء المطبوخة -وكان يحبها- وأكل المسلوقة، وأكل الثريد بالسـمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطـيخ بالرطـب، وأكل التمر بالزبد وكان يحـبه، ولم يكن يرد طيبا ولا يتكلفه، بل كان هديه أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر.. إلخ».

وقال عن هديه في نومه وانتباهه: كان ينام على فراشه تارة، وعلى النطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود.

وأحاديثه التي تحض على اليسر والسماحة والرفق في تناول الأمور، وفي أولها أمر العقيدة وتكاليفها، كثيرة جدا يصعب تقصيها... [4] .

وفي التعـامل: ( رحـم الله رجـلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) [5] .

ومن اللمحات العميقة الدلالة كراهيته صلى الله عليه وسلم للعسر والصعوبة حتى في الأسماء وسمات الوجوه، مما يوحي بحقيقة فطرته وصنع ربه بها وتيسيره [ ص: 69 ] لليسرى انطباعا وتكوينا [6] .. فهو صلى الله عليه وسلم الحس المرهف الذي يلمح الوعورة والشدة حتى في الأسماء والملامح فينفر منها، ويميل بها إلى اليسر والهوادة!

وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها صفحات من السماحة واليسر والهوادة واللين والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعا.

وهذا مثل من علاجه للنفوس، يكشف عن طريقته صلى الله عليه وسلم وطبيعته: ( جاءه أعرابي يوما يطلب منه شيئا فأعطاه. قال له: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت! فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا. ثم دخل منـزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئا. ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال: نعم. فجـزاك الله من أهل ومن عشـيرة خـيرا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» قال: نعم. فلما كان الغداة جاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟ فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال صلى الله عليه وسلم : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صـاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم. فتوجه لها [ ص: 70 ] صـاحب الناقة بين يديها، فأخـذ لها من قمام الأرض، فردها هونا هونا، حتى جـاءت واسـتناخت، وشـد عليها رحـلها، واسـتوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ) فهكذا كان أخذه صلى الله عليه وسلم للنفوس الشاردة، بهذه البساطة، وبهذا اليسر، وبهذا الرفق وبهذا التوفيق.. والنماذج شتى في سيرته كلها، وهي من التيسير لليسرى كما بشره ربه ووفقه في حياته وفي دعوته وفي أموره جميعا.

هذه الشخصية الكريمة الحبيبة الميسرة لليسرى كانت كذلك لكي تحمل إلى البشرية هذه الدعوة. فتكون طبيعتها من طبيعتها، وحقيقتها من حقيقتها، وتكون كفاء للأمانة الضخمة التي حملتها بتيسير الله وتوفيقه على ضخامتها.. حيث تتحول الرسالة بهذا التيسير من عبء مثقل إلى عمل محبب، ورياضة جميلة، وفرح وانشراح..

وفي صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وصـفة وظـيفته التي جاء ليؤديها ورد في القرآن الكريم:

( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) ،

( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) (الأعراف:157) ،

فقد جاء صلى الله عليه وسلم رحمة للبشرية، جاء ميسرا يضع عن كواهل الناس الأثقال والأغلال التي كتبت عليهم، حينما شددوا فشدد عليهم. [ ص: 71 ] وفي صفة الرسالة التي حملها ورد: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر: 17) ،

( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (الحج: 78) ،

( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة: 286) ،

( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) (المائـدة: 6) ،

فقـد جاءت هذه الرسـالة ميسـرة في حـدود الطـاقة، لا تكلف الناس حرجا ولا مشـقة، وسـرى هذا اليسـر في روحـها كما سرى في تكاليفها» [7] .

" وقد مر عمر رضي الله عنه ، في طريق فسقط عليه شيء من ميزاب، فقال رجل مع عمر: يا صاحب الميزاب، ماؤك طاهر أو نجس؟ فقال عمر: يا صـاحب الميزاب: لا تخبرنا، ومضى " [8] .. وروي " أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، سئل عن الجبن الذي تصنعه المجوس؟ فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه " [9] .

وقال الإمام الشعبي : إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق ... وقال معمر وسفيان الثوري : إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد [10] .. وقال إبراهيم النخعي : إذا تخالجك أمـران فظن أن أحبهما إلى الله أيسرهما [11] . [ ص: 72 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث