الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا

هذا ضابط تجري بمقتضاه العواطف والميول على التوسط والاعتدال ، والأصل فيه وصية لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : فقد نقل الماوردي في مبحث أدب الصـديق من كتابه أدب الدنيا والدين: «وينبغي أن يتوقى الإفراط في محبته، فإن الإفراط داع إلى التقصير، ولأن تكون الحال بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية... قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا» [1] .

وقال أبو الأسود الدؤلي :


وكن معدنا للخير واصـفح عن الأذى فإنك راء ما علمت وسامع     وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا
فإنك لا تدري متى أنت نازع     وأبغض إذا أبغضت غير مباين
فإنك لا تدري متى أنت راجـع

وقال عدي بن زيد :


لا تأمنن من مبغض قرب داره     ولا من محب أن يمل فيبعدا

[2] ومن هنا أرشد الإسلام إلى الاقتصاد في العواطف والميول؛ لأنها كثيرا ما تكون جياشة وتتحرك الانفعالات سريعة وآنية، فتدفع صاحبها إلى الإفراط والغلو، ثم يصحو لنفسه فيندم على ما صدر منه بعد فوات الأوان. [ ص: 85 ] فجاء الشرع ناصحا وداعيا للاعتدال في السير وراء العواطف والميول، كالفرح والحزن، والحب والكره، والضحك والبكاء، والغضب والشجاعة، والتهور والجبن، والكرم والبخل، والشح... وغير ذلك من الأمور الفطرية والمشاعر الوجدانية والأحاسيس الجبلية، فالفرح أمر طبيعي ولكنه قد يؤدي إلى البطر، والحزن على المصائب والمآسي قد يدفع إلى الأوهام والأمراض، فأرشـد القرآن الكريم إلى الاعتـدال في الأمرين،

فقال تعالى: ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) (الحديد: 23) ،

والمقصود التخفيف من شدة الحزن، وعدم البطر والزهو بالرزق والنعمة.

وحذر القرآن الكريم أن تكون العـداوة سببا للظلم والحيف عند المخاصمة والقضاء،

فقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) (المائدة: 8) .

وإن حصل خلاف بين الناس فيجب ألا يندفعوا إلى العداوة والبغضاء والقطيعة، وحرم الإسلام الهجر فوق ثلاثة أيام، كما يجب ألا يحملهم الحب والصداقة والمودة على الوقوع في المحظورات والتساهل في العورات... وفي ذلك ورد الحديث الشريف ( عن ابن عمر ، رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) [3] . [ ص: 86 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث