الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

قبول التأويل له أسباب : منها : أن يأتي به صاحبه مموها بزخرف من القول ، مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله واستحسانه ، قال الله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول ، ويفتريه الأغمار وضعفاء العقول ، فذكر السبب الفاعل وهو ما يغر السامع من زخرف القول ، فلما أصغت إليه ورضيته اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولا وعملا .

فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدر الذي فيه بيان أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها ، وإذا تأملت مقالات أهل الباطل رأيتهم قد كسوها من العبارات المستحسنة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له بصيرة نافذة ، فيسمون أم الخبائث أم الأفراح ، ويسمون اللقمة الملعونة التي هي الحشيشة : لقيمة الذكر والفكر التي تثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن ، ويسمون مجالس الفجور : المجالس الطبية ، حتى إن بعضهم لما عدل عن شيء من ذلك قالوا : ترك المعاصي والتخوف منها إساءة ظن برحمة الله وجراءة على سعة عفوه ومغفرته ، فانظر ما تفعل هذه الكلمة في قلب ممتلئ بالشهوات ، ضعيف العلم والبصيرة .

السبب الثاني : أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله في صورة مستهجنة تنفر عنها القلوب ، وتنبو عنها الأسماع ، فيسمى عدم الانبساط إلى الفساق : سوء خلق ، والأمر [ ص: 79 ] بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة وشرا وفضولا ، ويسمون إثبات الصفات لكمال الله تعالى تجسيما وتشبيها وتمثيلا ، ويسمون العرش حيزا وجهة ، ويسمون الصفات أعراضا والأفعال حوادث ، والوجه واليدين أبعاضا ، والحكم والغايات التي يفعل لأجلها أعراضا ، فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة تلك الألفاظ المستكرهة تم لهم تعطيلها ونفيها على ما أرادوا .

فقالوا لضعفاء العقول : اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأبعاض والجهات والتركيب والتجسيم والتشبيه ، ولم يشك أحد لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه الرب تعالى عن ذلك ، وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وحياته أعراضا ، وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا ، وعلى تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه تحيزا ، وعلى تسمية نزوله إلى سماء الدنيا وتكليمه بقدرته ومشيئته إذا شاء ، وغضبه بعد رضاه ، ورضاه بعد غضبه : حوادث ، وعلى تسمية الغاية التي يتكلم ويفعل لأجلها : غرضا ، واستقر ذلك في قلوب المبلغين عنهم ، فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم ، وبين إثباتها ، وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم .

فأهل السنة هم الذين كشفوا زيف هذه الألفاظ وبينوا زخرفها وزغلها ، وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون والشكل ، ولكن الطعام مسموم ، فقالوا ما قاله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله : " لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين " .

ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا لأهل السنة ألقابا قبيحة ، وسموهم حشوية ، ومحيزة ، ومجسمة ، ومشبهة ، ونحو ذلك ، فتولد من تسميتهم لصفات الرب ; وأفعاله ، ووجهه ، ويديه بتلك الأسماء ، وتلقيب من أثبتها له بهذه الألقاب ، ولعن أهل الإثبات من أهل السنة ، وتبديعهم ، وتضليلهم ، وتكفيرهم ، وعقولهم ، ولقوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم ، وهذا الأمر لا يزال حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

السبب الثالث : أن يعزو المتأول تأويله إلى جليل القدر نبيل الذكر من العقلاء أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو من حصل له من الأمة ثناء جميل ولسان صدق ; ليحليه [ ص: 80 ] بذلك في قلوب الجهال ، فإنه من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم ، حتى إنهم ليقدمون كلامه على كلام الله ورسوله ، ويقولون : هو أعلم بالله منا ، وبهذا الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى ترويج باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم ، فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وإجلالهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم ، ثم نفقوا باطلهم بنسبته إليهم ، فلا إله إلا الله ، كم من زندقة وإلحاد وبدعة قد نفقت في الوجود بسبب ذلك ، وهم برآء منها .

وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس ، فليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله قادهم إلى ذلك ، وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف ، وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث