الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه

[ ص: 28 ] ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) .

قوله تعالى : ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) .

قال صاحب " الكشاف " " ذلك " خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك ، كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني ، فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال : هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه ، وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم : الحرمات خمس : الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال المتكلمون : ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى : ( فهو خير له عند ربه ) أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله : ( عند ربه ) يدل على الثواب المدخر ؛ لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات ، قال الأصم : فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال : ( وأحلت لكم الأنعام ) فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضا تحرم ، فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة ، وهو قوله تعالى : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) [ المائدة : 1 ] وقوله : ( حرمت عليكم ) [ النساء : 23 ] وقوله : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) [ الأنعام : 121 ] ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور ؛ لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال : فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان ؟ وسمى الأوثان رجسا لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ، ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات . ثم قال الأصم : إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها ، وهذا بعيد ، وقيل : إنه إنما وصفها بذلك استحقارا واستخفافا وهذا أقرب ، وقوله : ( من الأوثان ) بيان للرجس وتمييز له كقوله : عندي عشرون من الدراهم ، لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور والازورار وهو الانحراف ، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا في قول [ ص: 29 ] الزور وجوها :

أحدها : أنه قولهم : هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم ، وثانيها : شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه ، وقال : عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ، وتلا هذه الآية ، وثالثها : الكذب والبهتان . ورابعها : قول أهل الجاهلية في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث