الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمهم الله : ( وسهم للمساكين ، والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته ، إلا أنه لا يكفيه ، وقال أبو إسحاق : هو الذي لا يجد ما يقع موقعا من كفايته ، فأما الذي يجد ما يقع موقعا من كفايته فهو الفقير والأول أظهر ; لأن الله تعالى بدأ بالفقراء ، والعرب لا تبدأ إلا بالأهم فالأهم ، فدل على أن الفقير أمس حاجة ; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا } " { وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر } فدل على أن الفقر أشد ، ويدفع إلى المسكين تمام الكفاية ، فإن ادعى عيالا لم يقبل منه إلا ببينة ; لأنه يدعي خلاف الظاهر " ) .

التالي السابق


. ( الشرح ) أما قوله : { إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر } فهو ثابت في الصحيحين من رواية عائشة رضي الله عنها . وأما حديث { أحيني مسكينا وأمتني مسكينا } فرواه الترمذي في جامعه في [ ص: 178 ] كتاب الزهد ، والبيهقي في سننه وغيرهما من رواية أنس رضي الله عنه وإسناده ضعيف ، ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الزهد من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإسناده أيضا ضعيف ، ورواه البيهقي أيضا من رواية عبادة بن الصامت . قال البيهقي : قال أصحابنا : فقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من الفقر وسأل المسكنة . وقد كان له صلى الله عليه وسلم بعض الكفاية فدل على أن المسكين من له بعض الكفاية قال البيهقي : وقد روي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : استعاذ من المسكنة والفقر فلا يجوز أن يكون استعاذ من الحال التي شرفها في أخبار كثيرة ، ولا من الحال التي سأل صلى الله عليه وسلم أن يحيى ويمات عليها ، قال : ولا يجوز أن تكون مسألته صلى الله عليه وسلم مخالفة لما مات عليه صلى الله عليه وسلم فقد مات مكفيا بما أفاء الله تعالى عليه وقال : ووجه الأحاديث عندي أنه استعاذ من فتنة الفقر والمسكنة اللذين يرجع معناهما إلى القلة ، كما استعاذ صلى الله عليه وسلم من فتنة الغنى ، فقد روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول { اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ، وفتنة الفقر ، وعذاب القبر ، وشر فتنة الغنى ، وشر فتنة الفقر ، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الدجال } رواه البخاري ومسلم ، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما استعاذ من شر فتنة الفقر دون حال الفقر ، ومن فتنة الغنى دون حال الغنى ، قال : وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن كان قال { أحيني مسكينا وأمتني مسكينا } فإن صح طريقه وفيه نظر فالذي يدل عليه حاله عند وفاته صلى الله عليه وسلم أنه لم يسأل مسكنة يرجع معناها إلى القلة ، بل مسكنة معناها الإخبات والتواضع ، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين وأن لا يحشر في زمرة الأغنياء المترفين ، قال القتيبي : المسكنة مشتقة من السكون يقال : تمسكن الرجل ، إذا لان وتواضع وخشع ، هذا آخر كلام البيهقي .

ومذهب أبي حنيفة ومالك أن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، كما حكاه المصنف عن أبي إسحاق المروزي ، قال أصحابنا : والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في الفقير والمسكين لا يظهر له فائدة في الزكاة [ ص: 179 ] لأنه يجوز عنده صرف الزكاة إلى صنف واحد بل إلى شخص واحد من صنف ، لكن يظهر في الوصية للفقراء دون المساكين أو للمساكين دون الفقراء ، وفيمن أوصى بألف للفقراء وبمائة للمساكين وفيمن نذر أو حلف ليتصدقن على أحد الصنفين دون الآخر ، أما إذا أطلق أحد الصنفين في الوصية والوقف والنذر وجميع المواضع غير الزكاة ولم ينف الآخر فإنه يجوز عندنا أن يعطي الصنف الآخر بلا خلاف ، صرح به أصحابنا واتفقوا عليه ، وضابطه أنه متى أطلق الفقراء أو المساكين تناول الصنفين ، وإن جمعا أو ذكر ( أحدهما ) ونفى الآخر وجب التمييز حينئذ ، ويحتاج عند ذلك إلى بيان النوعين أيهما أسوأ حالا ؟ والمشهور عندنا ، وهو الذي نص عليه الشافعي وجماهير أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن الفقير أسوأ حالا كما ذكره المصنف ، وبهذا قال خلائق من أهل اللغة .

( أما ) حقيقة المسكين فقال الشافعي والأصحاب : هو من يقدر على ما يقع موقعا من كفايته ولا يكفيه ، قال أصحابنا : مثاله : يحتاج إلى عشرة ويقدر على ثمانية أو سبعة ، وسبق في فصل الفقير أن القدرة على الكسب كالقدرة على المال وتقدم بيان الكسب المعتبر والمال المعتبر ، وأن الفقير والمسكين يعطيان تمام كفايتهما وسبق كيفية إعطاء الكفاية وجميع الفروع السابقة لا فرق فيها بين الفقير والمسكين ، قال أصحابنا : وسواء كان المال الذي يملكه المسكين نصابا أو أقل أو أكثر إذا لم يبلغ كفايته فيعطى تمام الكفاية وقال أبو حنيفة : لا يعطى من يملك نصابا . دليلنا أن هذا لا أصل له ، والنصوص مطلقة فلا يقبل تقييدها إلا بدليل صحيح ، ولوادعى الفقير أو المسكين عيالا وطلب أن يعطى كفايته وكفايتهم فهل يقبل قوله في العيال بغير بينة ؟ أم لا بد من البينة ؟ فيه وجهان مشهوران ، حكاهما الشيخ أبو حامد وصاحب البيان وآخرون ( أصحهما ) لا يعطى إلا ببينة لإمكانها وبهذا قطع المصنف والأكثرون .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث