الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 214 ] فصل في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه ( لا يصح أن ) ( يستبدل عن المسلم فيه غير ) بالرفع نيابة عن الفاعل ( جنسه ) كبر عن شعير ( ونوعه ) كمعقلي عن برني وتركي عن هندي وتمر عن رطب ومسقي بمطر عن مسقي بعين ومسقي بماء السماء عن مسقي بماء الوادي على ما نقله الريمي واعتمده هو وغيره ، وفيه نظر لأن ماء الوادي إن كان من عين فقد مر أو من مطر فهو ماء السماء أيضا ، اللهم إلا أن يعلم اختلاف ما ينبت منه اختلافا ظاهرا ، وزعم بعضهم أن اختلاف المكانين بمنزلة اختلاف النوعين وذلك لأنه بيع للمبيع قبل قبضه .

والحيلة فيه أن يفسخا السلم بأن يتقايلا فيه ثم يعتاض عن رأس المال ، ومن ذلك ما لو أسلم لآخر ثوبا في دراهم فأسلم الآخر إليه ثوبا في دراهم واستويا صفة وحلولا فلا يقع تقاص على المنقول المعتمد لأنه كالاعتياض عن المسلم فيه وهو ممتنع ( وقيل : يجوز في نوعه ) لأن الجنس يجمعهما [ ص: 215 ] فكان كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة رد بقرب الاتحاد هنا ، ولو اعتبرنا جمع الجنس لاعتبرنا جمع جنس آخر كالحب ولم يمتنع في شيء فاندفع ما أطال به جمع لترجيحه ( و ) على الجواز ( لا يجب ) القبول لاختلاف الغرض ( ويجوز أردأ من المشروط ) لأنه من جنس حقه ، فإذا تراضيا به كان مسامحة بصفة ( ولا يجب ) قبوله ولو أجود من وجه لأنه دون حقه ( ويجوز أجود ) منه من كل وجه لعموم خبر { خياركم أحسنكم قضاء } ( ويجب قبوله في الأصح ) لأن الامتناع منه عناد وزيادته غير متميزة ، والظاهر أن باذله لم يجد غيره فخف أمر المنة فيه وأجبر على قبوله . والثاني لا يجب لما فيه من المنة كما لو أسلم في خشبة خمسة أذرع فجاء بها ستة فلا يلزمه قبولها ، وفرق الأول بعدم إمكان فصل الجودة فهي تابعة بخلاف زيادة الخشبة .

نعم لو أضره قبوله ككون المأتي به أصله أو فرعه أو زوجه أو من أقر بحريته أو شهد بها فردا ولم تكمل البينة لم يلزمه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 214 ] فصل ) في بيان أخذ غير المسلم فيه ( قوله : ووقت أدائه ) أي وما يتعلق بوقت أدائه ومكانه لأنه لم يذكر هنا نفس الزمان الذي يجب التسليم فيه ولا المكان بل علما مما مر ( قوله : لا يصح ) أي لا يجوز لأن عدم الجواز لازم لعدم الصحة ( قوله : نيابة عن الفاعل ) ويجوز نصبه ببناء الفعل للفاعل وجعل الفاعل ضميرا يعود على المسلم ( قوله : على ما نقله الريمي ) نسبة إلى ريمة بالفتح مخلاف باليمن وحصن باليمن قاموس ( قوله : اللهم إلا أن يعلم ) أي فلا يتوجه النظر ، وإن فرض اختلاف فلعله لجواز أن تأثير المطر النازل على الزرع يخالف تأثير ما اجتمع في الوادي منه ثم سقي به الزرع لتكيف المجتمع في الوادي بصفة أرضه فتحصل له حالة تخالف ما نزل من السماء على الزرع بلا مخالطة لشيء ( قوله : وزعم بعضهم إلخ ) معتمد ( قوله : وذلك ) أي عدم الصحة . قال شيخنا الزيادي : فلو ضمن شخص دين السلم وأراد المسلم الاعتياض منه غير جنسه أو نوعه فهل يجوز أو لا ؟ تردد ، والمعتمد الجواز لأنه دين ضمان لا دين سلم والثابت في الذمة نظيره لا عينه ( قوله : أن اختلاف المكانين ) أي فلا يكفي أحدهما عن الآخر فهو ظاهر حيث علم اختلاف ما ثبت في المكانين اختلافا ظاهرا ، وعبارة حج بعد قوله ظاهرا وكذا فيما زعمه بعضهم وهو صريح فيما ذكرناه ( قوله : لأنه بيع للمبيع قبل قبضه ) أي وهو باطل لكن هذا يقتضي امتناع الاستبدال عن الثمن لأنه كالمبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه إن كان معينا وهو خلاف ما مر من جواز الاستبدال عن غير الثمن ، اللهم إلا أن يقال مراده ببيعه الاعتياض عنه وهو ممنوع في المثمن ، ولا يلزم من منعه فيه منعه في الثمن كما مر في الاستبدال ، وعليه فيفرق بين المعين فلا يجوز بيعه قبل القبض لا ثمنا ولا مثمنا ، وما في الذمة حيث يمتنع الاعتياض عنه مثمنا لا ثمنا وفيه شيء ( قوله والحيلة فيه ) أي في الاستبدال ( قوله : ثم يعتاض عن رأس المال ) أي ولو كان أكثر من رأس المال بكثير ولو مع بقاء رأس المال الأصلي ( قوله ومن ذلك ) أي الاعتياض الممتنع ( قوله : لأنه كالاعتياض عن المسلم فيه ) [ ص: 215 ] فيه نظر لأن الاعتياض عن المسلم فيه إنما يمتنع إذا كان من غير الجنس أو النوع ، وكلاهما منتف هنا كما يصرح به قوله واستويا صفة وحلولا ، فالقياس جواز التقاص فيه لاستيفاء شروطه إلا أن يكون الامتناع لدليل آخر ( قوله : ورد بقرب الاتحاد هنا ) أي في الصفة فكأنه لا اختلاف بين العوضين بخلافه في النوع فإن التباعد بينهما أوجب اعتبار الاختلاف ( قوله : ولو اعتبرنا إلخ ) تقوية لقوله ورد إلخ ( قوله : اعتبرنا إلخ ) أي اكتفينا به جوزنا استبدال أحد النوعين عن الآخر وهم لم يقولوا به ( قوله : لا اعتبرنا ) أي لاكتفينا في الجواز بجنس فوق الجنس السافل كالحب فجوزنا استبدال الشعير ونحوه عن القمح ، وكتب أيضا قوله لاعتبرنا جمع جنس قد تمنع هذه الملازمة لظهور تفاوت صفات أفراد الجنس الواحد وأنواعه ، بخلاف الجنسين وإن دخلا تحت جنس أعلى ا هـ سم على حج ( قوله لاختلاف الغرض ) ينبغي أن محل ذلك على هذا ما لم يكن المحضر أجود من المسلم فيه من كل وجه أخذا مما يأتي في الصفتين ( قوله : لعموم خبر خياركم ) ينبغي أن يقرأ بالنصب على الحكاية لما يأتي له أن لفظ الحديث { إن خياركم أحسنكم قضاء } اللهم إلا أن يثبت فيه رواية بإسقاط إن ( قوله فلا يلزمه قبولها ) أي ويجوز له ويكون الذراع السادس هبة ، وهكذا قول حج لم يلزمه قبوله كما لو تميزت الزيادة كأحد عشر عن عشرة فإنه يقتضي جواز القبول ( قوله : نعم لو أضره قبوله إلخ ) هذا استدراك على إحضار الأجود ، وقضيته أنه لو أحضره له بالصفة المشروطة من غير زيادة ولا نقص وجب قبوله وإن كان له غرض في الامتناع وبتسليمه فيفرق بينه وبين الأجود بأن المحضر بالصفة يصدق عليه أنه المسلم فيه حقيقة ولا كذلك الأجود ، وقد يؤيد الفرق ما صرحوا به من أنه لو وكله في شراء عبد فاشترى الوكيل من يعتق على الموكل صح ووقع للموكل على المذهب ، وبه قطع الجمهور لأن اللفظ شامل .



حاشية المغربي

[ ص: 214 ] فصل ) في بيان أخذ غير المسلم فيه ( قوله : وذلك ; لأنه إلخ ) علة للمتن ويعكر على ما يقتضيه هذا التعليل من البطلان ما مر من صحة الاعتياض عن المبيع في الذمة ( قوله : بأن يتقايلا ) أي : فلا أثر لمجرد التفاسخ إذ لا يصح من غير سبب ، كما تقدم التنبيه على أخذه من كلام الشارح خلافا للشهاب حج فيما مر ، وإن كان هنا قد ذكر هذا التفسير الذي ذكره الشارح . ( قوله : لأنه كالاعتياض عن المسلم فيه ) أي فكأنه اعتاض ما كان في ذمته للآخر عما كان في ذمة الآخر له [ ص: 215 ] قوله : نعم لو أضره قبوله ) هذا لا يختص بالأجود وإن أوهمه سياقه ، بل هو جار في أداء المسلم فيه مطلقا كما هو واضح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث