الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يطلب الترتيب بين المناهي كما بين الخيرات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يطلب الترتيب بين المناهي كما بين الخيرات

ومن هذا المعنى قول الفقهـاء يختار أهـون الشـرين ، وقولهم أيضـا: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما .

ومن هذا الباب أيضا أن التدقيق في الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحـواله كلها وتشـابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظـاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشـبهة فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه، كما ( قال ابن عمر، رضي الله عنهما ، لمن سـأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا ) [1] .

وكما أن المأمورات متفاوتة الرتبة فكذلك المنهيات، وطلب الترك من الشارع ليس على درجة واحدة، بل الفعل الواحد المنهي عنه يكون حراما ثم قد تشتد الحرمة فيه أو تقل بحسب ما يتعلق به، أو يجاوره ويتصل به كالزمان والمكان، مثلا: فإن صدور المعصية في الحرم أقبح منها في غيره، وهي في الشهور الحرم أعظم منها في غيرها من الشهور..

ولذلك قال تعالى: ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) (الحج: 25) ،

( منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) (التوبة: 36) ،

فورد النهي مخصوصا وإن كان حكم الظلم الحرمة في سائر الأمكنة والأزمان. ويقسم علماء الأصول [ ص: 121 ] المنهيات قسمين: محرمات ومكروهات، والمحرمات منها الكبائر ومنها الصغائر، كما قال تعالى:

( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) (النساء:31) ...

والكبائر متفاوتة الرتبة، وضابط ما تعرف به من ذلك هو ما قرره الشاطبي ، رحمه الله، بقوله: «إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو الكماليات، فإن كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسـطة بين الرتبتين، ثم كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن في المكمل أن يكون في رتبة المكمل، فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع القصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة القصد. فقد ظهر تفاوت المعاصي والمخالفات» [2] .

وأكد هذا التفاوت العز بن عبد السلام فقال متحدثا عن رتب المفاسد [3] : «والمفاسد ما حرم الله قربانه رتبتان: أحدهما رتبة الكبائر وهي منقسمة إلى الكبير والأكبر والمتوسط بينهما، فالأكبر أعظم الكبائر مفسدة. وكذلك الأنقص فالأنقص ولا تزال مفاسـد الكبائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسـدة لو نقصت لوقعت في أعظم رتب مفاسد الصغائر وهي الرتبة الثانية. ثم لا تزال مفاسد الصغائر تتناقص إلى أن تنتهي إلى مفسدة لو فاتت لانتهت إلى أعلى رتب مفاسد المكروهات، وهي الضرب الثاني من رتب المفاسد، ولا تزال تتناقص مفاسد المكروهات إلى أن تنتهي إلى حد لو زالت لوقعت في المباح» . [ ص: 122 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث