الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع درهمين ودينار بدرهم ودينارين وكر بر وشعير بضعفهما

جزء التالي صفحة
السابق

قوله ( وصح بيع درهمين ودينار بدرهم ودينارين وكر بر وشعير بضعفهما ) أي بأن يبيعهما بكري بر وكري شعير وإنما جاز ; لأنه يجعل كل جنس مقابلا بخلاف جنسه تصحيحا للعقد ولو صرف إلى جنسه فسد ; لأن العقد يقتضي مطلق المقابلة من غير تعرض لقيد لا مقابلة الكل بالكل شائعا ولا فردا معينا فصار كما لو باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره فإنه ينصرف إلى نصيبه تصحيحا للعقد وكانصراف النقد إلى المتعارف ، ولا يرد علينا ما لو اشترى قلبا بعشرة وثوبا بعشرة ثم باعهما مرابحة بخمسة وعشرين فإنه لا يصح وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب ; لأنا لو صرفناه لصار تولية في القلب وهو خلاف المرابحة فكان إبطالا له ، وكذا لا يرد لو اشترى عبدا بألف ثم باعه قبل النقد مع آخر من البائع بألف وخمسمائة فإنه لا يصح في المشترى بألف ; لأن طريق التصحيح غير متعين لإمكان صرف الألف ومائة إليه أو مائتين إلى غير ذلك من الصور وأورد عليه أن الطرق متعددة في مسألة الكتاب لجواز أن يصرف الدينار إلى الدينار والدرهم إلى الدرهم والدينار إلى الدرهم كما يجوز أن يصرف الدرهمان إلى الدينارين والدينار إلى الدرهم وأجيب عنه بأنه أقل تغييرا فكان أولى وكذا لا يرد علينا ما لو جمع بين عبده وعبد غيره ، وقال بعتك أحدهما فإنه لا يصح للتنكير وإن أمكن تصحيحه بصرفه إلى عبده وأجيب بأن البيع أضيف إلى منكر فلا ينصرف إلى المعين للتضاد إذ المنكر ليس بمحل للبيع ورد بأنه ليس بشيء ; لأن المعرفة من مكيا النكرة فإن زيدا يصدق عليه رجل ولا شك أنه يحتمله فيجب حمله عليه ، وقد قال أبو حنيفة في قوله عبدي أو حماري حر أنه يعتق العبد ويجعل استعارة المنكر للمعرف ، وكذا ما قيل إن تصحيح العقد يجب في محل العقد وهو لم يضف إلى المعين وفي فتح القدير واعلم أن ما أورد على دفع النقوض المذكورة أن الخط له جواب فذاك وإلا فلا يضرك النقض في إثبات المطلوب إذ غايته أنه خطأ في محل آخر إذا اعترف بخطئه في محل النقض وذلك لا يوجب خطأ في محل النزاع . ا هـ .

وأما مسألة ما إذا باع درهما وثوبا بدرهم وثوب وافترقا بلا قبض فليس مما نحن فيه فإن العقد انعقد صحيحا وإنما طرأ الفساد بالافتراق والصرف لدفع الفساد وقد انعقد بلا فساد وكلامنا ليس في الفساد الطارئ ، وفي الظهيرية معزيا إلى المبسوط باع عشرة وثوبا بعشرة وثوب وافترقا قبل القبض بطل العقد في الدرهم ولو صرف الجنس إلى خلاف جنسه لم يبطل ولكن قيل في العقود يحتال للتصحيح في الابتداء ولا يحتال للبقاء على الصحة . ا هـ .

وفي الإيضاح الأصل في هذا الباب أن حقيقة البيع إذا اشتملت على إبدال وجب قسمة أحد البدلين على الآخر وتظهر الفائدة في الرد بالعيب والرجوع بالثمن عند الاستحقاق ووجوب الشفعة فيما تجب فيه الشفعة فإن كان العقد مما لا ربا فيه فإن كان مما لا يتفاوت فالقسمة على الأجزاء وإن كان مما يتفاوت فالقسمة على القيمة ، وأما ما فيه الربا فإنما تجب القسمة على الوجه الذي يصح به العقد مثاله باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار يصح العقد فإن الخمسة بالخمسة والخمسة الأخرى بالدينار وكذا لو قابل جنسين كما في مسألة الكتاب . ا هـ .

ونظير المسألة المسألة التي تلي هذه وهي . قوله ( وأحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار ) أي صح بيع فتكون العشرة [ ص: 216 ] بمثلها والدينار بالدرهم تصحيحا للعقد على ما بينا ، وإنما ذكر هذه بعد التي قبلها وإن كانت قد علمت مما قبلها لبيان أن الصرف إلى خلاف الجنس لا يتفاوت في الجميع أو جزء واحد ، كذا في السراج الوهاج .

قوله ( ودرهم صحيح ودرهمين غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة ) أي يصح بيع للاتحاد في الجنس فيعتبر التساوي في القدر دون الوصف والغلة هي الدراهم المقطعة وقيل ما يرده بيت المال ويأخذه التجار لا تنافي لاحتمال أن تكون هي المقطعة وفي الهداية ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبا بذهب ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهة فإن لم تبلغ فمع الكراهة وإن لم يكن له قيمة لا يجوز البيع لتحقق الربا إذ الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا . ا هـ .

وصرح في الإيضاح بأن الكراهة قول محمد ، وأما أبو حنيفة فقال لا بأس به وفي المحيط إنما كرهه محمد خوفا من أن يألفه الناس ويستعملوه فيما لا يجوز وقيل : لأنهما باشرا الحيلة لإسقاط الربا كبيع العينة فإنه مكروه وفي فتح القدير اشترى تراب الفضة بفضة لا يجوز ; لأنه إن لم يظهر في التراب شيء فظاهر وإن ظهر فهو بيع الفضة بالفضة مجازفة ولهذا لو اشتراه بتراب فضة لا يجوز ; لأن البدلين هما الفضة لا التراب ولو اشتراه بتراب ذهب جاز لعدم لزوم العلم بالمماثلة لاختلاف الجنس فلو ظهر أن لا شيء في التراب لا يجوز وكلما جاز فمشتري التراب بالخيار إذا رأى ; لأنه اشترى ما لم يره . ا هـ .

قوله ( ودينار بعشرة عليه أو بعشرة مطلقة ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة ) أي صح بيع ، أما إذا قابل الدينار بالعشرة التي عليه ابتداء فلأنه جعل ثمنه دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض وهو جائز إجماعا ; لأن التعيين للاحتراز عن الربا ولا ربا في دين سقط وإنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته ولذا لو تصارفا دراهم دينا بدنانير دينا صح لفوات الخطر ، وأما الثانية وهي ما إذا باعه بعشرة مطلقة ثم تقاصا فالمذكور هنا استحسان والقياس عدم الجواز وهو قول زفر لكونه استبدالا ببدل الصرف وجه الاستحسان أنهما لما تقاصا انفسخ الأول وانعقد صرف آخر مضافا إلى الدين فتثبت الإضافة اقتضاء كما لو جدد البيع بأكثر من الثمن الأول وفي فتح القدير ونحن نقول موجب العقد عشرة مطلقة تصير متعينة بالقبض وبالإضافة بعد العقد إلى العشرة الدين صارت كذلك غير أنه بقبض سابق ولا يبالي به لحصول المقصود من التعيين بالقبض بالمساواة ، وعلى هذا التقرير لا حاجة إلى اعتبار فسخ العقد الأول بالإضافة إلى العشرة الدين بعد العقد على الإطلاق ، بخلاف ما إذا باع بألف ثم بألف وخمسمائة فإن الفسخ لازم ; لأن أحدهما لم يصدق على الآخر بخلاف العشرة مطلقا مع هذه العشرة للصدق ; لأن الإطلاق ليس قيدا في العقد بها وإلا لم يمكن قضاؤها أصلا إذ لا وجود للمطلق بقيد الإطلاق ، وعلى هذا مشوا أو تقريره أنهما لما غيرا موجب العقد فقد فسخاه إلى عقد آخر اقتضاء . ا هـ .

أطلق في العشرة الدين فشمل ما إذا كانت عليه قبل عقد الصرف أو حدثت بعده وقيل لا يجوز التقاص بدين حادث بعده والأول أصح ; لأن التقاص هو المتضمن لفسخ الأول وإنشاء صرف آخر فيكتفي بالدين عند التقاص ، بخلاف رأس مال السلم حيث لا يجوز جعله قصاصا بدين آخر مطلقا متقدما كان أو متأخرا ; لأن المسلم فيه دين ولو صحت المقاصة برأس مال السلم لافترقا عن دين بدين ولذا لا يجوز إضافته إلى الدين ابتداء بأن يجعل الدين الذي على المسلم إليه رأس مال السلم بخلاف الصرف ، وقال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير إذا استقرض بائع الدينار عشرة من المشتري أو غصب منه فقد صار قصاصا ولا يحتاج إلى التراضي ; لأنه قد وجد منه القبض . ا هـ .

وقوله وتقاصا راجع إلى الثانية ، وأما الأولى فتقع المقاصصة بنفس العقد ، والحاصل أن الدين إذا حدث [ ص: 217 ] بعد الصرف فإن كان بقرض أو غصب وقعت المقاصة وإن لم يتقاصا ، وإن حدث بالشراء بأن باع مشتري الدينار من بائع الدينار ثوبا بعشرة إن لم يجعلاه قصاصا لا يصير قصاصا باتفاق الروايات وإن جعلاه قصاصا ففيه روايتان ، كذا في الذخيرة ومن مسائل المقاصات وإن لم تكن من الصرف ما في المنتقى له وديعة وللمودع على صاحبها دين من جنسها لم تصر قصاصا بالدين قبل الاتفاق عليه ، وإذا اجتمعا عليه لا تصير الوديعة قصاصا ما لم يرجع إلى أهله فيأخذها وإن كانت في يده فاجتمعا على جعلها قصاصا لا يحتاج إلى غير ذلك ، وحكم المغصوب كالوديعة سواء والدينان إذا كانا من جنسين لا تقع المقاصة بينهما ما لم يتقاصا ، وكذا إذا كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا وكذا إذا كان أحدهما غلة والآخر صحيحا ، كذا في الذخيرة أيضا من كتاب الصرف وذكر في كتاب المداينات أن الدينين إذا كانا مؤجلين لا تقع المقاصة حتى يتقاصا وذكر قبله أن التفاوت في الوصف يمنع المقاصة بنفسه ولا يمنع إذا جعلاه قصاصا . ا هـ .

وفي الصحاح تقاص القوم إذا قاص كل واحد منهما صاحبه في حساب أو غيره . ا هـ .

وإذا اختلف الجنس وتقاصا كأن كان له عليه مائة درهم وللمديون مائة دينار عليه ، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصا بمائة من قيمة الدنانير ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها ، كذا في الظهيرية وفي فروق الكرابيسي من النفقات ، وإذا طلبت المرأة النفقة وكان للزوج عليها دين فقال الزوج احسبوا لها نفقتها منه كان جائزا ; لأنها من جنس الدراهم والدنانير فتقع المقاصة عند التراضي فرق بين هذا وبين سائر الديون فإن هناك المقاصة تقع من غير التراضي وهنا شرط التراضي والفرق أن دين النفقة أدنى لما ذكرنا فلا تقع المقاصة إلا بالتراضي ، كما لو كان أحد الدينين جيدا والآخر رديئا بخلاف سائر الديون ; لأنها جنس واحد فلا يشترط التراضي . ا هـ .

وتقدم شيء من فوائد التقاص في باب أم الولد فارجع إليه .

التالي السابق


( قوله : والصرف لدفع الفساد ) أي صرف الجنس إلى خلاف جنسه [ ص: 216 ] ( قوله : أطلق في العشرة الدين فشمل إلخ ) هذا راجع إلى قوله أو بعشرة مطلقة ألا يتصور في المقيدة أن يكون الدين حادثا بعد عقد الصرف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث