الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جعل الحكم تابعا للدليل عمل الراسخين وعكسه عمل الزائغين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

جعل الحكم تابعا للدليل عمل الراسخين وعكسه عمل الزائغين

هذا ضابط في الاستدلال للآراء والمذاهب، ومنهج في التلقي المعرفي، وكثيرا ما رأينا من أهل العصر من يتبنى فكرة أو رأيا أو يسير على منهج معين ثم يذهب باحثا له عن سند من نص أو فتوى قال بها فقيه أو أكثر، ومعلوم أن الدليل أصل بنفسه أما الحكم فلا يثبت حتى يقوم عليه دليل، ومن ثم فإن المنطق يقتضي جعل الأحكام تابعة للأدلة، وإلا كان الزيغ والانحراف بالبعد عن الاعتدال، كما أشار القرآن الكريم إلى الذين يطلبون تفسير آياته وتأويلها بما ليس فيها وبما لم يكن مرادا من نـزولها فقال الله تعالى:

( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) (آل عمران: 7) ،

قال الإمام الرازي ، في تفسيرها: «واعلم أنه تعالى لما بين أن الزائغين يتبعون المتشابه، بين أن لهم فيه غرضين، فالأول: هو قوله تعالى: ( ابتغاء الفتنة ) ، والثاني: هو قوله: ( وابتغاء تأويله ) .

فأما الأول: فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوها: أولها: قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين، صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين، وذلك [ ص: 157 ] يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة .. وثانيها: أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتونا بذلك الباطل عاكفا عليه لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة.. وثالثها: أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه، ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه.

وأما الغرض الثاني لهم: وهو قوله تعالى: ( وابتغاء تأويله ) ، فاعلم أن التأويل هو التفسير، وأصله في اللغة المرجع والمصير، من قولك: آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلا إذا صـيرته إليه، هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلا،

قال تعالى: ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) (الكهف:78) ،

وقال تعالى: ( وأحسن تأويلا ) (النساء: 59) ،

وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان» [1] .

( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين ) [2] ، فأخبر صلى الله عليه وسلم بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأنه تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف كما ينفون عنه التأويلات الباطلة، فهم وسط بين الغلاة وبين المبطلين. [ ص: 158 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث