الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخوف سوط سائق والرجاء حاد قائد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الخوف سوط سائق والرجاء حاد قائد

هذه القاعدة تعبير عن منهج الإسلام في الموازنة بين الترغيب والترهيب أو بين الترجية والتخويف، وهي بذلك تضبط سلوك المسلم وتحكم سيره في الحياة.

فعلى المكلف أن يكون دائرا بين الخوف والرجاء؛ لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما، وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على العموم والخصوص: فأما دلالته على هذا المعنى من جهة العموم: فإنه إذا ورد في القرآن الكريم الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه وبالعكس. وكذلك الترجية مع التخويف، وما يرجع إلى هذا المعنى مثله، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار، وبالعكس، لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية، وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويف، فهو راجع إلى الترجية والتخويف [1] .

وأما دلالته على جهـة الخصـوص:

فقد قال تعالى: ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) ،. ... ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) (المؤمنون: 57-60) ، وغير ذلك كثير.

فإن غلب على المكلف طرف الانحلال والمخالفة فجانب الخوف عليه أقرب، وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط فجانب الرجاء إليه أقرب، [ ص: 160 ] وبهذا كان عليه الصلاة والسلام يؤدب أصحابه. ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) (الزمر:53) ، وغلب على قوم جانب الإهمال فخوفوا وعوتبوا،

فقيل لهم: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) (الحديد: 16) ،

فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب.

" يروى عن علي ، رضي الله عنه ، أنه قال لبعض ولده: يا بني خف الله خوفا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك، وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسـيئات أهل الأرض غفرها لك " .. " وقال عمر رضي الله عنه : لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نودي ليدخل الجنة كل النـاس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل " [2] .

قال مكحول الدمشقي : من عبد الله بالخوف فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فهو مرجىء، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد [3] .

ويقول ابن القيم ، رحمه الله تعالى، في هذه المسألة: «القلب في سـيره إلى الله عز وجل بمنـزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، [ ص: 161 ] ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر. ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. هذه طريقة أبي سليمان وغيره، قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد.

وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الخوف والرجاء، وغلبة الحب. فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه» [4] .

ويفصل القول في التوازن بين موجبات الخوف والرهبة وموجبات الأنس والرجاء الأستاذ سيد قطب ، رحمه الله، فيقول: «والتوازن في علاقة العبد بربه بين موحيات الخوف والرهبة والاستهوال، وموحيات الأمن والطمأنينة والأنس، فصفات الله الفاعلة في الكون، وفي حياة الناس والأحياء، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك في توازن تام.

ويقرأ المسلم في كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب ويزلزل الفرائص، ويهز الكيان،

من مثل قوله تعالى: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) (الأنفال: 24) ،

( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) (غافر:19) ، إلى غير من الآيات.

وصور العذاب في مشاهد القيامة رعيبة رعيبة... ويقرأ المسلم كذلك من صفات ربه ما يملأ قلبه طمأنينة وراحة، وروحه أنسا وقربا، ونفسه [ ص: 162 ] رجاء وأملا: من مثل قوله تعالى: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) (البقرة: 186) .

وصور النعيم في مشاهد القيامة رخية رخية!

ومن هذا وذاك يقع التوازن في الضمير بين الخوف والطمع، والرهبة والأنس، والفزع والطمأنينة، ويسير الإنسان في حياته، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطو، مفتوح العين، حي القلب، موصول الأمل، حذرا من المزالق، صاعدا أبدا إلى الأفق الوضيء. لا يستهتر ولا يستهين، ولا يغفل ولا ينسى. وهو في الوقت ذاته شـاعر برعاية الله وعونه، ورحمة الله وفضله، وأن الله لا يريد به السوء، ولا يود له العنت، ولا يوقعه في الخطيئة ليتشفي بالانتقام منه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وحين نوازن بين هذا التصور وتصور الإغريق لكبير آلهتهم، القاسي الحسود الشهوان العربيد، المضطغن الحقود؛ أو تصور الإسرائيليين المنحرف لإلههم الغيور المتعصب، البطاش المتهور، أو تصور أرسطو لإلهه المترفع الذي لا يعني نفسه بأمر الخلق على الإطلاق، ولا يفكر إلا في ذاته، لأنها أشرف الذوات، ولا يليق بالإله أن يفكر إلا في أشرف ذات! أو تصور الماديين لإلههم «الطبيعة» الصماء العمياء الخرساء! عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن في التصور الإسلامي، وأثره الواقعي في حياة البشر، وأثره كذلك في منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملي» [5] . [ ص: 163 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث