الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم

جزء التالي صفحة
السابق

هو الذي أخرج الذين كفروا [2] أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ( من أهل الكتاب ) من اليهود وهم بنو النضير ( من ديارهم لأول الحشر ) صرفت أولا لأنه مضاف ، ولو كان مفردا كان ترك الصرف فيه أولى على أنه نعت ، ومن جعله غير نعت صرفه ( ما ظننتم أن يخرجوا ) "أن" في موضع نصب بظننتم ، وهي تقوم مع صلتها مقام المفعولين عند النحويين إلا محمد بن يزيد فإن أبا الحسن حكى لنا عنه أن المفعول الثاني محذوف ، وكذا القول في ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) أي لم يظنوا من قولهم : ما كان هذا في حسباني أي في ظني ، ولا يقال : في حسابي؛ لأنه لا معنى له ههنا ، ويجوز أن يكون معنى "لم يحتسبوا" لم [ ص: 386 ] يعلموا ، وكذا قيل في قول الناس : حسيبه الله أي العالم بخبره والذي يجازيه الله جل وعز ، وقيل معنى قولك : حسيبك الله كافي إياك الله . من قولهم أحسبه الشيء ، إذا كفاه ، وقيل : حسيبك أي محاسبك مثل شريب بمعنى مشارب ، وقيل : حسيبك أي مقتدر عليك ، ومنه وكان الله على كل شيء حسيبا .

( وقذف في قلوبهم الرعب ) ومن قال : في قلوبهم الرعب جاء به على الأصل ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) ويخربون على التكثير ، وقد حكى سيبويه أن فعل يكون بمعنى أفعل كما قال :


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) أي فاتعظوا واستدلوا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله جل وعز ناصره لما يريكم في أعدائه وبصدق ما أخبركم به . واشتقاقه من عبر إلى كذا إذا جاز إليه ، والعبرة هي المتجاوزة من العين إلى الخد . قال الأصمعي : وقولهم : فلان عبر أي يفعل أفعالا يورث بها أهله العبرة وفي معنى ( يا أولي الأبصار ) قولان : أحدهما أنه من بصر [ ص: 387 ] العين والآخر أنه من بصر القلب . قال أبو جعفر : وهذا أولى بالصواب ، لأن الاعتبار إنما يكون بالقلب ، وهو الاتعاظ والاستدلال بما مر . فقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم بهذا أنه يكون فكان على ما وصف فيجب أن تعتبروا بهذا وغيره ، كما قال جل وعز ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) فكان كما قال ، وقال جل ذكره ( سيصلى نارا ذات لهب ) فكان ذلك وقال ( ولن يتمنوه أبدا ) فلم يتمنه أحد منهم ، وكذا ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) فقالوا ذلك ، وكذا ( وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) كذا قوله صلى الله عليه وسلم لعمار : "تقتلك الفئة الباغية" ، وقوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم كتب :

"من محمد رسول الله" فساموه محوها فاستعظم ذلك علي رضي الله عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "إنك ستسام مثلها"
فكان ذلك على ما قال ، وكذلك قوله في ذي الثدية "ومن ينجو من الخوارج" فكان [ ص: 388 ] الأمر كما قال ، وكذلك قوله في كلاب الحوأب قولا محددا ، وكذلك قوله في فتح المدينة البيضا وفي فتح مصر ، وأوصى بأهلها خيرا فهذا كله مما يعتبر به وقال جل وعز ( والله يعصمك من الناس ) فعصمه حتى مات على فراشه ، وقال ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) فاستخلف ممن خوطب بهذا أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم ، وكان هذا موافقا لقوله صلى الله عليه "الخلافة بعدي ثلاثون" ومما يعتبر به تمثيلاته التي لا تدفع ، منها حديث أبي رزين العقيلي أنه قال : يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ فقال : يا أبا رزين أما مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا فكذلك يحيي الله الموتى وكذلك آيته تعالى في خلقه" فهذا التشبيه الباهر الذي لا يلحق ، ولذلك قوله في تمثيل الميت بالنائم وبعثه باليقظة . وهذا أشكل شيء بشيء ، فبهذا يعتبر أولو الأبصار .

[ ص: 389 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث