الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يقلد المجتهد في زلته ولا ينتقص قدره بسببها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لا يقلد المجتهد في زلته ولا ينتقص قدره بسببها

ومبنى هذه القاعدة على التوسط في الرأي والخلاف بين من حيث إهمال واطراح ما كان زللا، وقد قدمنا سابقا أن تتبع الزلات يذهب الدين، والمسلم مأمور باتباع الأحسن من القول، وهذا عدل في المعاملة إذ أن تقليد المجتهد في زلته هو من قبيل الغلو في الرجال من جهة، كما أنه من قبيل التفريط والتقصير في جانب الحقيقة من جهة أخرى. غير أن هذا الاطراح لخطئه ينبغي ألا يفضي إلى انتقاصه أو إقصائه وإلا كان حيفا وظلما، ذلك أن الخطأ من طبائع البشر، كيف وقد جاء في الحديث أن الإثم موضوع عنه بل له على اجتهاده حظ من الأجر.

وقد اشترط العلماء في الخلاف المعتد به أن يقو مدركه «فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودا من الهفوات والسقطات لا من الخلافيات المجتهدات». أي أنه زلة عالم أو هفوته فلا يلتفت إليه ولا يعتبر في ميزان الاجتهاد، بل يلحق بباب الشاذ من الأقوال.

وإذا ضعف دليل القول ومأخذه فإنه لا ينظر إلى قوة من قاله، ولو بلغ في العلم شأوا لا يضاهي، وقديما قالوا: «لكل عالم هفوة....»، «بل النظر إلى مدرك القول قوة وضعفا».... «فمن قوي مدركه اعتد بخلافه وإن كانت مرتبته في الاجتهاد دون مرتبة مخالفه، ومن ضعف مدركه لم يعتد بخلافه، وإن كانت مرتبته أرفع».

وانظر إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع رسالته رفع الملام: «..وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد [ ص: 204 ] مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه..».

وقد ذكر الشاطبي ، رحمه الله، جملة من المفاسد في الترجيح بين المذاهب بالطعن في أصحابها وانتقاص قدرهم، منها:

- أن الطعن في مساق الترجيح يبين العناد من أهل المذهب المطعون عليه، ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه، لأن الذي غض من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء بالتزام وإن كان مرجوحا، فإن الترجيح لم يحصل.

- أن هذا الترجيـح مغر بانتصـاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا فبينما نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح، فإن النفوس مجبولة على الانتصار لأنفسها ومذاهبها وسائر ما يتعلق بها، فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من جانبه، فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه، فإنه تسبب في ذلك، كما في ( الحديث: إن من أكبر الذنب أن يسـب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ) [1] . فهذا من ذلك.. وقد منع الله أشـياء من الجائزات لإفضـائها إلى الممنوع، كقوله: ( لا تقولوا [ ص: 205 ] راعنا ) (البقرة:104) ،

وقوله: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) (الأنعام: 108) ، وأشباه ذلك.

- أن هذا العمل مورث للتدابر والتقـاطع بين أرباب المذاهـب. وربما نشأ الصغير منهم على ذلك، حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من خالفهم فيتفرقوا شيعا، وقد نهي الله تعالى عن ذلك وقال:

( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) (الأنعام: 159) ،

وقد مر تقرير هذا المعنى من قبل. فكل ما أدى إلى هذا ممنوع. فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع.

- أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى التغالي والانحراف في المذاهب، زائدا إلى ما تقدم، فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة. قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهي التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل..». وقديما قالوا: كفي المرء نبلا أن تعد معايبه. [ ص: 206 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث