الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين .

استئناف لبيان بعض أحوال اليهود المنافية إسلام الوجه لله ، فالمراد بأصحاب هذه الصلات خصوص اليهود ، وهم قد عرفوا بمضمون هذه الصلات في مواضع كثيرة [ ص: 206 ] من القرآن . والمناسبة : جريان الجدال مع النصارى وأن جعلوا جميعا في قرن قوله : وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم .

وجيء في هاته الصلات بالأفعال المضارعة لتدل على استحضار الحالة الفظيعة ، وليس المراد إفادة التجدد ; لأن ذلك وإن تأتى في قوله : يكفرون لا يتأتى في قوله : ويقتلون لأنهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى . والمراد من أصحاب هذه الصلات يهود العصر النبوي لأنهم الذين توعدهم بعذاب أليم ، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم الذين قتلوا زكريا لأنه حاول تخليص ابنه يحيى من القتل ، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى ، وقتلوا النبيء إرمياء بمصر ، وقتلوا حزقيال النبيء لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام ، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه ، وقتل منشا بن حزقيال ، ملك إسرائيل ، النبيء أشعياء : نشره بالمنشار لأنه نهاه عن المنكر ، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل ، ولم يحموه ، فكان هذا القتل معدودا عليهم ، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط ، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم ; لأنهم رضوا بها ، وألحوا في وقوعها .

وقوله : بغير حق ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة يقتلون النبيئين إذ لا يكون قتل النبيئين إلا بغير حق ، وليس له مفهوم لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز ; فإنه لا يقتل نبيء بحق ، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه ، وإنما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيز النفي ، إذا لم يكن المقصود تسلط النفي عليه مثل قوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافا . وقوله : ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وقد تقدم في سورة البقرة .

والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم .

ولما كان قوله : ويقتلون الذين يأمرون بالقسط مومئا إلى وجه بناء الخبر : وهو أنهم إنما قتلوهم لأنهم يأمرون بالقسط أي بالحق ، فقد اكتفي بها في الدلالة على الشناعة ، فلم تحتج إلى زيادة التشنيع .

[ ص: 207 ] وقرأ الجمهور من العشرة " يقتلون " الثاني مثل الأول - بسكون القاف - وقرأه حمزة وحده : " ويقاتلون " - بفتح القاف بعدها ألف - بصيغة المفاعلة وهي مبالغة في القتل .

والفاء في فبشرهم فاء الجواب المستعملة في شرط ، دخلت على خبر " إن " لأن اسم إن وهو موصول تضمن معنى الشرط ، إشارة إلى أنه ليس المقصود قوما معينين ، بل كل من يتصف بالصفة فجزاؤه أن يعلم أن له عذابا أليما . واستعمل " بشرهم " في معنى " أنذرهم " تهكما .

وحقيقة التبشير : الإخبار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء - وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته ، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب ، وهو موجب لحزن المخبرين ، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة ، ويسمونها تهكمية لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم ، أو التمليح ، كما أطلق عمرو ابن كلثوم اسم الأضياف على الأعداء ، وأطلق القرى على قتل الأعداء ، في قوله :


نزلتم منزل الأضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا     قريناكم فعجلنا قـراكـم
قبيل الصبح مرداة طحونا

قال السكاكي : وذلك بواسطة انتزاع شبه التضاد وإلحاقه بشبه التناسب .

وجيء باسم الإشارة في قوله : أولئك الذين حبطت أعمالهم لأنهم تميزوا بهذه الأفعال التي دلت عليها صلات الموصول أكمل تمييز ، وللتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإشارة .

واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره الذين حبطت أعمالهم ، وقيل هو خبر " إن " وجملة فبشرهم بعذاب أليم وهو الجاري على مذهب سيبويه لأنه يمنع دخول الفاء في الخبر مطلقا .

وحبط الأعمال إزالة آثارها النافعة من ثواب ونعيم الآخرة ، وحياة طيبة في الدنيا . وإطلاق الحبط على ذلك تمثيل بحال الإبل التي يصيبها الحبط وهو انتفاخ في بطونها من كثرة الأكل ، يكون سبب موتها ، في حين أكلت ما أكلت للالتذاذ به .

[ ص: 208 ] وتقدم عند قوله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة .

والمعنى هنا أن اليهود لما كانوا متدينين يرجون من أعمالهم الصالحة النفع بها في الآخرة بالنجاة من العقاب ، والنفع في الدنيا بآثار رضا الله على عباده الصالحين ، فلما كفروا بآيات الله ، وجحدوا نبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصوبوا الذين قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط ، فقد ارتدوا عن دينهم فاستحقوا العذاب الأليم ، ولذلك ابتدئ به بقوله : فبشرهم بعذاب أليم . فلا جرم تحبط أعمالهم فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة ، ولا بآثارها الطيبة في الدنيا ، ومعنى وما لهم من ناصرين ما لهم من ينقذهم من العذاب الذي أنذروا به .

وجيء بـ " من " الدالة على تنصيص العموم لئلا يترك لهم مدخل إلى التأويل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث