الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( 5 ) ( ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ( 6 ) )

قوله : ( ونريد ) عطف على قوله : ( يستضعف طائفة منهم ) ومعنى الكلام : أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها ، من بني إسرائيل ، فرقا يستضعف طائفة منهم ( و ) نحن ( نريد أن نمن على الذين ) استضعفهم فرعون من بني إسرائيل ( ونجعلهم أئمة ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ) قال : بنو إسرائيل .

قوله : ( ونجعلهم أئمة ) أي : ولاة وملوكا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . [ ص: 518 ]

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ونجعلهم أئمة ) أي : ولاة الأمر .

وقوله : ( ونجعلهم الوارثين ) يقول : ونجعلهم وراث آل فرعون يرثون الأرض من بعد مهلكهم .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ونجعلهم الوارثين ) : أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ( ونجعلهم الوارثين ) يقول : يرثون الأرض بعد فرعون .

وقوله : ( ونمكن لهم في الأرض ) يقول : ونوطئ لهم في أرض الشام ومصر ( ونري فرعون وهامان وجنودهما ) كانوا قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل ، فكانوا من ذلك على وجل منهم ، ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، فأرى الله فرعون وهامان وجنودهما ، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه ، ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم .

كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) شيئا ما حذر القوم .

قال : وذكر لنا أن حازيا حزا لعدو الله فرعون ، فقال : يولد في هذا العام غلام من بني إسرائيل يسلبك ملكك ، فتتبع أبناءهم ذلك العام ، يقتل أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، حذرا مما قال له الحازي .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : كان لفرعون رجل ينظر له ويخبره ، يعني أنه كاهن ، فقال له : إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم ، فكان فرعون يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم حذرا ، فذلك قوله : ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) . [ ص: 519 ]

واختلفت القراء في قراءة قوله : ( ونري فرعون وهامان ) فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والبصرة ، وبعض الكوفيين : ( ونري فرعون وهامان ) بمعنى : ونري نحن ، بالنون عطفا بذلك على قوله : ( ونمكن لهم ) . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " ويرى فرعون " على أن الفعل لفرعون ، بمعنى : ويعاين فرعون ، بالياء من يرى ، ورفع فرعون وهامان والجنود .

والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب ، لأنه معلوم أن فرعون لم يكن ليرى من موسى ما رأى ، إلا بأن يريه الله عز وجل منه ، ولم يكن ليريه الله تعالى ذكره ذلك منه إلا رآه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث