الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( كتاب الإقرار )

ش : قال في الذخيرة وهذه المادة وهي الإقرار والقرار والقر والقارورة ونحو ذلك من السكون والثبوت ; لأن الإقرار يثبت الحق والمقر أثبت الحق على نفسه والقرار السكون والقر البرد وهو يسكن الدماء والأعضاء والقارورة يستقر فيها مائع انتهى . ومنها قاعدة الإقرار والدعوى والشهادة كلها إخبارات ، والفرق بينها أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله ، فهو الإقرار وإن لم يقتصر ، فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع وهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى انتهى وقال السبكي : في نكته في تفسير القرآن العظيم قوله تعالى { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } يدل على تغاير الإقرار والشهادة انتهى وفيه خلاف وفي المدونة أن الإقرار شهادة وقال ابن عرفة : الإقرار لم يعرفوه وكأنه عندهم بديهي ومن أنصف لم يدع بداهته ; لأن مقتضى حال مدعيها أنه قول يوجب حقا على قائله والأظهر أنه نظري فيعرف بأنه خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه فيدخل إقرار الوكيل وتخرج الإنشاءات كبعت وطلقت ونطق الكافر بالشهادتين ولازمهما عنها لا الإخبار ككنت بعت وطلقت وأسلمت ونحو ذلك والرواية والشهادة وقوله زيد زان ; لأنه وإن أوجب حكما على قائله فقط ، فليس له هو حكم مقتضى صدقه .

ص ( يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره )

ش : خرج بالمكلف إقرار المكره ، فإنه غير مكلف على الصحيح وقال القرطبي في شرح مسلم : في آخر باب الديات شرط صحة الإقرار أن لا يكون بإكراه ، وأما المحبوس والمتهدد فاختلف في أخذه بإقراره واضطرب المذهب في إقراره بعد الحبس والتهديد هل يقبل جملة أو لا يقبل جملة أو الفرق فيقبل إذا عين ما اعترف به من قتل وسرقة أو لا يقبل إذا لم يعين ثلاثة أقوال انتهى . وقال الدماميني في شرح البخاري في قوله زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع وعن الإمام [ ص: 217 ] مالك إن المذعور لا يلزمه ما صدر منه في حال ذعره من بيع وإقرار وغيره انتهى بلفظه ( مسألة ) امرأة ادعت على أخيها بميراثها من أبيها في أملاك سمتها فقال وكيل الأخ : إن أخاها قد قاسمها جميع الأملاك وقبضت حصتها من ذلك فقال ابن رشد في نوازله : إن كان الأخ جعل لوكيله الإقرار فقوله إن موكله قد قاسم أخته في جميع الأملاك التي وقف عليها إقرار منه عليه بمشاركة أخته له في جميعها ، فيقضى لها بميراثها في سائرها إن كانت في يديه انتهى . وفي مسائل الأقضية من البرزلي عن ابن أبي زيد أن من طلبت منه أخته ميراثها من أملاك أبيها فقال : بيدي ربع ملكته من أبي وربع ملكته بكسبي وغفل عنه حتى مات إن على ورثته إثبات ما ادعى أنه استفاده بعد موت أبيه وإلا حلفت ما علمت بما استفاده وقسم بينهما انتهى .

( فرع ) : قال في الكافي في كتاب الوكالة عن ابن خويز منداد : وقد اتفق الفقهاء فيمن قال : ما أقر به على فلان فهو لازم لي إنه لا يلزمه انتهى .

( فرع ) : يتعلق بحكم الإقرار بالمجمل قال في وثائق الجزيري في إقرار الزوج لزوجته والسيد لأم ولده يقول : أشهد فلان أن جميع ما يغلق عليه باب البيت الذي يسكنه مع زوجته فلانة أو مع أم ولده من الوطاء والغطاء والثياب والتوابيت والمواعين والحلي والأثاث لزوجته فلانة مالها ، ومن كسب يدها لا حق لي معها في شيء منه بوجه من الوجوه ، ثم قال فيه يجوز إقرار الزوج لزوجته والسيد لأم ولده ، فإن سمى ما أقر به كان أتم ، وإن أجمل جاز ، فإن مات وادعى الورثة أنه للميت اكتسبه بعد الإشهاد ، فعليهم البينة ، ولا يمين عليها إلا أن يقطعوا أنه اكتسب شيئا معلوما يسمونه بعد تاريخ الإشهاد فلهم عليها اليمين ، ولها ردها عليهم انتهى .

قاله في باب الوصايا فصريح كلامه أن الإقرار بالمجمل يصح ولابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الشهادات الثاني ما يخالفه ونص السماع مسألة وسئل عن الذي يشهد لامرأته أن كل شيء يغلق عليه باب بيتها ، فهو لها إلا أن يكون اشترى لها من متاع الرجال شيئا وأشهد لها ، فقال سواء أشهد لها أو لم يشهد لها ما في البيت مما يعرف أنه متاع النساء ، فهو لها أنه إنما يشتريه لها قال ابن رشد : المعنى في هذه المسألة أن المشهد لامرأته بهذه الشهادة توفي ، فقامت تدعي ما في البيت من متاع النساء والرجال فلم ير لها فيما أشهد لها به منفعة إذا لم يشهد لها على شيء بعينه أنه لها ، وإنما أشهد لها بما في بيتها ، ولعل ما تدعيه من متاع الرجال لم يكن في بيتها يوم الإشهاد ، فقال سواء أشهد لها ، أو لم يشهد لها ما في البيت مما يعرف أنه من متاع النساء فهو لها يريد ، وما كان فيه من متاع الرجال فهو لورثته إلا أن يكون اشترى لها من متاع الرجال شيئا فأشهد لها أنه إنما يشتريه لها وفي قوله إلا أن يكون اشترى لها إلى آخر قوله دليل على أنه لو أشهد لها على شيء بعينه من متاع الرجال أنه لها لم يكن لها ، وفي ذلك نظر ; لأنه إن لم يعلم أصل الملك له صح الإقرار لها ، وإن علم أصل الملك له كان إقراره هبة تصح لها بحيازتها إياها لكونها في بيتها ، وتحت يدها إلا ما في سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات في نحو هذه الحيازة إن هذا آل إلى الضعف وهو القياس على مذهب ابن القاسم ; لأن يد الزوج عنده هي المغلبة على يد الزوجة إذا اختلفا فيما هو من متاع الرجال والنساء ولو قامت في حياته تدعي ما في بيتها من متاع الرجال وتحتج بما أشهد لها به من أن جميع ما في بيتها لها فناكرها في ذلك .

وادعى لنفسه وزعم أنه لم يكن في بيتها يوم أشهد لها بما أشهدوا أنه إنما اكتسبه بعد ذلك لوجب أن ينفعها الإشهاد ، ويكون القول قولها مع يمينها إلا أن يقيم هو البينة أنه اكتسب ذلك بعد الإشهاد ، ويحتمل أن يكون معنى المسألة أنه أشهد لها بذلك في مرضه الذي مات فيه فلا يكون في بطلان الشهادة إشكال ولا في أنها لا يكون لها من متاع الرجال إلا ما أشهد عند اشترائه أنه إنما يشتريه لها فلا كلام [ ص: 218 ] انتهى فقوله فلم ير لها فيما أشهد لها به منفعة إذ لم يشهد لها على شيء بعينه إلى آخر كلامه صريح في أن الإقرار بالمجمل لا يصح ونقل ابن سلمون في وثائقه في باب الوصايا فيه الخلاف عن ابن رشد وغيره ونصه بعد أن تكلم على أم الولد ، فإن قال في مرضه هذه ولدت مني ولا ولد لها فإن كان له ولد من غيرها جاز إقراره وعتقت من رأس ماله وإلا لم يصدق ورقت ، وكذلك إذا مات سيدها ، وقد كان أقر لها في صحته بجميع ما في بيتها من الثياب والماعون والحلي والقليل والكثير ، فإنه يكون لها ، وكذلك إن أشهد لها به مجملا وإن لم يشهد لها بذلك ، فلا يكون لها إلا الشيء الخفيف مثل كسوتها وشبه ذلك وإن ادعته وكان من زيها وهي في ذلك بخلاف الحرة ويكتب في ذلك عقدا أشهد فلان على نفسه أنه برئ من أم ولده فلانة من علقه كلها وتبعاته أجمعها وأقر أنه لا مرفوع له عندها ولا مودع ولا في ذمتها ، ولا في أمانتها وأن ما يغلق عليه موضع سكناها معه من الأثاث والمتاع وما بيدها من الحلي وغيره مما هو شاكلة النساء ، فهو مالها ومتاعها لا حق له معها في شيء من ذلك فمن ادعى في شيء من ذلك بدعوى أو طالبها بمطلب بسببه في حياته أو بعد وفاته فمطلبه باطل ودعواه كاذبة أو قصد تحليفها أو تحنيثها ، فالله حسيبه وسائله إشهادا صحيحا ، وكذلك تعقد للزوجة إن نسبها إلى ذلك .

وقد اختلف في موجب هذه الوثيقة فقال ابن زرب ذلك لها ، ويصح إشهاده بذلك ، ولا بد من اليمين وحكي أن بعض الشيوخ كان يفتي بأن لا يمين عليها إلا أن يحقق الورثة عليها ما يجب عليها فيه اليمين قال : وهو ضعيف ولا بد فيه من اليمين وقال ابن رشد : عقد مثل هذه الوثيقة لا يجوز وإقراره لا يصح وإشهاده وعدم إشهاده سواء ، وهذا كله إذا كان الإشهاد في حال الصحة ، وأما إذا كان الإشهاد وهو مريض فلا خلاف بينهم أنه لا ينفذ وسئل ابن زرب في ذلك أيضا فقال : أما ما كان من زيها أو زيه فلا تأخذه إلا بعد يمينها ، وأما ما كان من زيها فإنها تأخذه بلا يمين وأفتى ابن وضاح المرسي بأن ذلك عام إلا في الذهب والفضة ، وأما ما كان من ثيابه أو زيه أو عروض أو طعام ، فهو موروث إلا أن يعين ذلك في صحته ويعينه الشهود انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث