الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون

فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون .

تفريع على ما تقدم كله من قوله إن عذاب ربك لواقع ؛ لأنه تضمن تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - على تكذيب المكذبين والافتراء عليه ، وعقب بهذا ؛ لأن من الناس مؤمنين به متيقنين أن الله أرسله مع ما أعد لكلا الفريقين فكان ما تضمنه ذلك يقتضي أن في استمرار التذكير حكمة أرادها الله ، وهي ارعواء بعض المكذبين عن تكذيبهم وازدياد المصدقين توغلا في إيمانهم ، ففرع على ذلك أن أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالدوام على التذكير .

فالأمر مستعمل في طلب الدوام مثل يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله . ولما كان أثر التذكير أهم بالنسبة إلى فريق المكذبين ليهتدي من شرح قلبه للإيمان روعي ما يزيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - ثباتا على التذكير من تبرئته مما يواجهونه من قولهم له : هو كاهن أو هو مجنون ، فربط الله جأش رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأعلمه بأن براءته [ ص: 59 ] من ذلك نعمة أنعم بها عليه ربه تعالى ففرع هذا الخبر على الأمر بالتذكير بقوله فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون والباء في بنعمة ربك للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير أنت .

ونفي هذين الوصفين عنه في خطاب أمثاله ممن يستحق الوصف بصفات الكمال يدل على أن المراد من النفي غرض آخر وهو هنا إبطال نسبة من نسبه إلى ذلك كما في قوله تعالى وما صاحبكم بمجنون ، ولذلك حسن تعقيبه بقوله أم يقولون شاعر مصرحا فيه ببعض أقوالهم ، فعلم أن المنفي عنه فيما قبله مقالة من مقالهم .

وقد اشتملت هاته الكلمة الطيبة على خصائص تناسب تعظيم من وجهت إليه وهي أنها صيغت في نظم الجملة الاسمية فقيل فيها : ما أنت بكاهن ، دون : فلست بكاهن ، لتدل على ثبات مضمون هذا الخبر .

وقدم فيها المسند إليه مع أن مقتضى الظاهر أن يقدم المسند وهو كاهن أو مجنون ؛ لأن المقام يقتضي الاهتمام بالمسند ولكن الاهتمام بالضمير المسند إليه كان أرجح هنا لما فيه من استحضار معاده المشعر بأنه شيء عظيم وأفاد مع ذلك أن المقصود أنه متصف بالخبر لا نفس الإخبار عنه بالخبر كقولنا : الرسول يأكل الطعام ويتزوج النساء . وأفاد أيضا قصرا إضافيا بقرينة المقام لقلب ما يقولونه أو يعتقدونه من قولهم : هو كاهن أو مجنون ، على طريقة قوله تعالى وما أنت علينا بعزيز .

وقرن الخبر المنفي بالباء الزائدة لتحقيق النفي فحصل في الكلام تقويتان ، وجيء بالحال قبل الخبر ، أو بالجملة المعترضة بين المبتدإ والخبر ، لتعجيل المسرة وإظهار أن الله أنعم عليه بالبراءة من هذين الوصفين .

وعدل عن استحضار الجلالة بالاسم العلم إلى تعريفه بالإضافة وبوصفه الرب ؛ لإفادة لطفه تعالى برسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه ربه فهو يربه ويدبر نفعه ، ولتفيد الإضافة تشريف المضاف إليه .

[ ص: 60 ] وقوله تعالى فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون رد على مقالة شيبة بن ربيعة قال في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو كاهن ، وعلى عقبة بن أبي معيط إذ قال : هو مجنون ، ويدل لكونه ردا على مقالة سبقت أنه أتبعه بقوله أم يقولون شاعر ما سيكون وما خفي مما هو كائن .

والكاهن : الذي ينتحل معرفة ما سيحدث من الأمور وما خفي مما هو كائن ويخبر به بكلام ذي أسجاع قصيرة . وكان أصل الكلمة موضوعة لهذا المعنى غير مشتقة ، ونظيرها في العبرية ( الكوهين ) وهو حافظ الشريعة والمفتي بها ، وهو من بني ( لاوي ) ، وتقدم ذكر الكهانة عند قوله تعالى وما تنزلت به الشياطين في سورة الشعراء .

وقد اكتفي في إبطال كونه كاهنا أو مجنونا بمجرد النفي دون استدلال عليه ؛ لأن مجرد التأمل في حال النبيء - صلى الله عليه وسلم - كاف في تحقق انتفاء ذينك الوصفين عنه فلا يحتاج في إبطال اتصافه بهما إلى أكثر من الإخبار بنفيهما ؛ لأن دليله المشاهدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث