الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون

أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون .

إن كانت أم مجردة عن عمل العطف فالجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، وإلا فهي عطف على جملة فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون .

وعن الخليل كل ما في سورة الطور من " أم " فاستفهام وليس بعطف ، يعني أن المعنى على الاستفهام لا على عطف المفردات . وهذا ضابط ظاهر . ومراده : أن الاستفهام مقدر بعد " أم " وهي منقطعة وهي للإضراب عن مقالتهم المردودة بقوله فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون للانتقال إلى مقالة أخرى وهي قولهم : هو شاعر نتربص به ريب المنون . وعدل عن الإتيان بحرف ( بل ) مع أنه أشهر في الإضراب الانتقالي ، لقصد تضمن ( أم ) للاستفهام . والمعنى : بل أيقولون شاعر إلخ . والاستفهام المقرر إنكاري .

ومناسبة هذا الانتقال عن أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالدوام على التذكير يشير إلى مقالاتهم [ ص: 61 ] التي يردون بها دعوته فلما أشير إلى بعضها بقوله تعالى فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون انتقل إلى إبطال صفة أخرى يثلثون بها الصفتين المذكورتين قبلها وهي صفة ( شاعر ) .

روى الطبري عن قتادة قال قائلون من الناس : تربصوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان ، ولم يعينوا اسم الشاعر ولا أنه كان يهجو كفار قريش .

وعن الضحاك ومجاهد : أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال بنو عبد الدار : هو شاعر تربصوا به ريب المنون ، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة ، فنزلت هذه الآية فحكت مقالتهم كما قالوها ، أي : فليس في الكلام خصوص ارتباط بين دعوى أنه شاعر ، وبين تربص الموت به ؛ لأن ريب المنون يصيب الشاعر والكاهن والمجنون وجاء ( يقولون ) مضارعا للدلالة على تجدد ذلك القول منهم . والتربص مبالغة في : الربص ، وهو الانتظار .

والريب هنا : الحدثان ، وفسر بصرف الدهر وعن ابن عباس : ريب في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور ريب المنون .

والباء في ( به ) يجوز أن تكون للسبب ، أي : بسببه ، أي : نتربص لأجله فتكون الباء متعلقة ب " نتربص " ويجوز أن تكون للملابسة وتتعلق " ب ريب المنون حالا منه مقدما على صاحبها ، أي : حلول ريب المنون به .

والمنون : من أسماء الموت ومن أسماء الدهر ، ويذكر . وقد فسر بكلا المعنيين ، فإذا فسر بالموت فإضافة ريب إليه بيانية ; أي الحدثان الذي هو الموت ، وإذ فسر المنون بالدهر فالإضافة على أصلها ، أي : أحداث الدهر مثل موت أو خروج من البلد أو الرجوع إلى دعوته ، فريب المنون جنس وقد ذكروا في مقالتهم قولهم : فسيهلك ، فاحتملت أن يكونوا أرادوه بيان ريب الموت أو أن أرادوه مثالا لريب الدهر ، وكلا الاحتمالين جار في الآية لأنها حكت مقالتهم .

[ ص: 62 ] وقد ورد " ريب المنون " في كلام العرب بالمعنيين ; فمن وروده في معنى الموت قول أبي ذؤيب :

أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع

ومن وروده بمعنى حدثان الدهر قول الأعشى :

أأن رأت رجلا أعشى أضر به     ريب المنون ودهر مفند خبل

أراد أضر بذاته حدثان الدهر ، ولم يرد إصابة الموت كما أراد أبو ذؤيب .

ولما كان انتفاء كونه شاعرا أمرا واضحا يكفي فيه مجرد التأمل لم يتصد القرآن للاستدلال على إبطاله وإنما اشتملت مقالتهم على أنهم يتربصون أن يحل به ما حل بالشعراء الذين هم من جملة الناس .

فأمر الله تعالى نبيئه - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبهم عن مقالتهم هذه بأن يقول : تربصوا فإني معكم من المتربصين ، وهو جواب منصف ؛ لأن تربص حلول حوادث الدهر بأحد الجانبين أو حلول المنية مشترك الإلزام لا يدري أحدنا ماذا يحل بالآخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث