الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى .

لما بين الله أن أمور الدارين بيد الله تعالى وأن ليس للإنسان ما تمنى ، ضرب لذلك مثالا من الأماني التي هي أعظم أماني المشركين وهي قولهم في الأصنام ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، [ ص: 113 ] فبين إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة ؛ لأن الملائكة من سكان السماوات فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام ، لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن الله أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له ، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات ، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء الله ، وقد نفى الله شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم ، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة أم للإنسان ما تمنى . وليس هذا الانتقال اقتضابا لبيان عظم أمر الشفاعة .

و " كم " اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر لا تغني شفاعتهم .

وقد تقدم الكلام على كم في قوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة في سورة البقرة ، وقوله وكم من قرية أهلكناها في الأعراف .

و في السماوات صفة لملك . والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله ، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار .

وجملة لا تغني شفاعتهم إلخ ، خبر عن كم ، أي : لا تغني شفاعة أحدهم ، فهو عام بوقوع الفعل في سياق النفي ، ولإضافة شفاعة إلى ضميرهم ، أي : جميع الملائكة على كثرتهم وعلو مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم .

و " شيئا " مفعول مطلق للتعميم ، أي : شيئا من الإغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم .

ولما كان ظاهر قوله لا تغني شفاعتهم يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم وليس ذلك مرادا ؛ لأن المراد أنهم لا يجرءون على الشفاعة عند الله فلذلك عقب بالاستثناء بقوله إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ، وذلك ما اقتضاه قوله ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وقوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ، أي : إلا من بعد أن يأذن الله لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له .

[ ص: 114 ] فالمراد ب من يشاء من يشاؤه الله منهم ، أي : فإذا أذن لأحدهم قبلت شفاعته . واللام في قوله لمن يشاء هي اللام التي تدخل بعد مادة الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وليست اللام متعلقة ب يأذن الله . ومفعول يأذن محذوف دل عليه قوله لا تغني شفاعتهم . وتقديره : أن يأذنهم الله .

ويجوز أن تكون اللام لتعدية يأذن إذ أريد به معنى يستمع ، أي : أن يظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه . ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى ويستغفرون للذين آمنوا وقوله ويستغفرون لمن في الأرض فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أعلى ، فالملائكة يعلمون إذ أراد الله استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند الله فيشفع فتقبل شفاعته ، فهذا تقريب كيفية الشفاعة . ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - في موقف الحشر .

وعطف " ويرضى " على لمن يشاء للإشارة إلى أن إذن الله بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلا لأن يشفع له . وفي هذا الإبهام تحريض للمؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضا الله عنهم ليكونوا أهلا للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث