الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة .

عطف على قوله إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله إلخ فبعد أن ذكر أن لله أمور الدارين بقوله فلله الآخرة والأولى انتقل إلى أهم ما يجري في الدارين من أحوال الناس الذين هم أشرف ما على الأرض بمناسبة قوله إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله المراد به الإشارة إلى الجزاء وهو إثبات لوقوع البعث والجزاء .

فالمقصود الأصلي من هذا الكلام هو قوله ما في الأرض ؛ لأن المهم ما في الأرض إذ هم متعلق الجزاء ، وإنما ذكر معه ما في السماوات على وجه التتميم للإعلام بإحاطة ملك الله لما احتوت عليه العوالم كلها ، ونكتة الابتداء بالتتميم دون تأخيره الذي هو مقتضى ظاهر في التتميمات هي الاهتمام بالعالم العلوي ؛ لأنه أوسع وأشرف وليكون المقصود وهو قوله ليجزي الذين أساءوا بما عملوا الآية مقترنا بما يناسبه من ذكر ما في الأرض ؛ لأن المجزيين هم أهل الأرض ، فهذه نكتة مخالفة مقتضى الظاهر .

فيجوز أن يتعلق قوله " ليجزي " بما في الخبر من معنى الكون المقدر في الجار والمجرور المخبر به عن ما في السماوات وما في الأرض ، أي : كائن ملكا لله كونا علته أن يجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا من أهل الأرض ، وهم الذين [ ص: 120 ] يصدر منهم الإساءة والإحسان فاللام في قوله ( ليجزي ) لام التعليل ، جعل الجزاء علة لثبوت ملك الله لما في السماوات والأرض .

ومعنى هذا التعليل أن من الحقائق المرتبطة بثبوت ذلك الملك ارتباطا أوليا في التعقل والاعتبار لا في إيجاد ، فإن ملك الله لما في السماوات وما في الأرض ناشئ عن إيجاد الله تلك المخلوقات ، والله حين أوجدها عالم أن لها حياتين وأن لها أفعالا حسنة وسيئة في الحياة الدنيا وعالم أنه مجزيها على أعمالها بما يناسبها جزاء خالدا في الحياة الآخرة ، فلا جرم كان الجزاء غاية لإيجاد ما في الأرض فاعتبر هو العلة في إيجادهم ، وهي علة باعثة يحتمل أن يكون معها غيرها ؛ لأن العلة الباعثة يكمن تعددها في الحكمة .

ويجوز أن يتعلق بقوله " أعلم " من قوله هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، أي : من خصائص علمه الذي لا يعزب عنه شيء أن يكون علمه مرتبا عليه الجزاء .

والباء في قوله ( بما عملوا ) وقوله " بالحسنى " لتعدية فعلى " ليجزي " و " يجزي " فما بعد الباءين في معنى مفعول الفعلين ، فهما داخلتان على الجزاء ، وقوله " بما عملوا " حينئذ تقديره : بمثل ما عملوا ، أي : جزاء عادلا مماثلا لما عملوا ؛ فلذلك جعل بمنزلة عين ما عملوه على طريقة التشبيه البليغ .

وقوله بالحسنى ، أي : بالمثوبة الحسنى ، أي : بأفضل مما عملوا ، وفيه إشارة إلى مضاعفة الحسنات كقوله من جاء بالحسنة فله خير منها . والحسنى : صفة لموصوف محذوف يدل عليه يجزي وهي المثوبة بمعنى الثواب .

وجاء ترتيب التفصيل لجزاء المسيئين والمحسنين على وفق ترتيب إجماله الذي في قوله إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى على طريقة اللف والنشر المرتب .

وقوله الذين يجتنبون كبائر الإثم إلخ صفة للذين أحسنوا ، أي الذين أحسنوا واجتنبوا كبائر الإثم والفواحش ، أي : فعلوا الحسنات واجتنبوا المنهيات ، [ ص: 121 ] وذلك جامع التقوى . وهذا تنبيه على أن اجتناب ما ذكر يعد من الإحسان ؛ لأن فعل السيئات ينافي وصفهم بالذين أحسنوا ، فإنهم إذا أتوا بالحسنات كلها ولم يتركوا السيئات ، كان فعلهم السيئات غير إحسان ، ولو تركوا السيئات وتركوا الحسنات ، كان تركهم الحسنات سيئات .

وقرأ الجمهور كبائر الإثم بصيغة جمع ( كبيرة ) . وقرأه حمزة والكسائي ( كبير الإثم ) بصيغة الإفراد والتذكير ؛ لأن اسم الجنس يستوي فيه المفرد والجمع .

والمراد بكبائر الإثم : الآثام الكبيرة فيما شرع الله وهي ما شدد الدين التحذير منه أو ذكر وعيدا بالعذاب أو وصف على فاعله حدا .

قال إمام الحرمين : الكبائر كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وبرقة ديانته .

وعطف الفواحش يقتضي أن المعطوف بها مغاير للكبائر ، ولكنها مغايرة بالعموم والخصوص الوجهي ، فالفواحش أخص من الكبائر وهي أقوى إثما .

والفواحش : الفعلات التي يعد الذي فعلها متجاوزا الكبائر مثل الزنى والسرقة وقتل الغيلة ، وقد تقدم في تفسير ذلك في سورة الأنعام عند قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الآية وفي سورة النساء في قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه .

واستثناء اللمم استثناء منقطع ؛ لأن اللمم ليس من كبائر الإثم ولا من الفواحش .

فالاستثناء بمعنى الاستدراك . ووجهه أن ما سمي باللمم ضرب من المعاصي المحذر منها في الدين ، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإثم ؛ فلذلك حق الاستدراك ، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة : أما العامة : فلكي لا يعامل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر ، وأما الخاصة : فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يفل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم [ ص: 122 ] ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر . فهذا الاستدراك بشارة لهم ، وليس المعنى أن الله رخص في إتيان اللمم . وقد أخطأ وضاح اليمن في قوله الناشئ عن سوء فهمه في كتاب الله وتطفله في غير صناعته :

فما نولت حتى تضرعت عندها وأنبأتها ما رخص الله في اللمم

واللمم : الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم ، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه . وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر .

فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة . سمي : اللمم ، وهو اسم مصدر ألم بالمكان إلماما إذا حل به ولم يطل المكث ، ومن أبيات الكتاب :

فريشي منكم وهواي معكم     وإن كانت زيارتكم لماما

وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نبهان التمار كان له دكان يبيع فيه تمرا ، أي : بالمدينة فجاءته امرأة تشتري تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقال : ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته ، أي : غصبا عليها إلا الجماع ، فنزلت هذه الآية ، أي : فتكون هذه الآية مدنية ألحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة .

والمعنى : إن الله تجاوز له لأجل توبته . ومن المفسرين من فسر اللمم بالهم بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي .

وقوله إن ربك واسع المغفرة تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإثم والفواحش شرطا في ثبوت وصف الذين أحسنوا لهم .

وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه ( ربك ) دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق .

[ ص: 123 ] وفي إضافة رب إلى ضمير النبيء - صلى الله عليه وسلم - دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته .

والواسع : الكثير المغفرة ، استعيرت السعة لكثرة الشمول ؛ لأن المكان الواسع يمكن أن يحتوي على العدد الكثير ممن يحل فيه قال تعالى ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، وتقدم في سورة غافر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث