الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قواعد جامعة في عقود المعاملات المالية والنكاحية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 5 ] قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم وأما العقود من المعاملات المالية والنكاحية وغيرها فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة ; فإن القول فيها كالقول في العبادات .

فمن ذلك " صفة العقود " فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال : ( أحدها أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التي قد يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك البيع والإجارة والهبة والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك . وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في مذهب أحمد - يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل ، كالبيع والوقف ويكون تارة رواية مخرجة ، كالهبة والإجارة .

ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في إشارة الأخرس ويقيمون أيضا الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة [ ص: 6 ] وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها كما في الهدي إذا عطب دون محله فإنه ينحر ثم يضمخ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة للناس ، ومن أخذه ملكه وكذلك الهدية ونحو ذلك .

لكن الأصل عندهم هو اللفظ ; لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقوله : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها تحتمل وجوها كثيرة ; ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات .

القول الثاني : إنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلاة فيه أو سبل أرضا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها للناس وكبعض أنواع الإجارة : كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ركب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك فإن هذه العقود لو لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ; ولأن الناس من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ ; بل بالفعل الدال على المقصود وهذا هو الغالب على أصول [ ص: 7 ] أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به العرف .

القول الثالث : إنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل ، فكل ما عده الناس بيعا وإجارة فهو بيع وإجارة ; وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس لذلك حد مستمر ; لا في شرع ولا في لغة . بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم .

فإن لفظ البيع والإجارة في لغة العرب ليس هو اللفظ الذي في لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة ; بل قد تختلف أنواع اللغة الواحدة ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم ; إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم وإن كان قد يستحب بعض الصفات وهذا هو الغالب على أصول مالك ، وظاهر مذهب أحمد .

ولهذا يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا ; وإن كان قد [ ص: 8 ] وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر ; بأن يقول : خذ هذا لله فيأخذه . أو يقول : أعطني خبزا بدرهم فيعطيه . أو لم يوجد لفظ من أحدهما ; بأن يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلواء أو غير ذلك . كما يتعامل به غالب الناس ، أو يضع المتاع ليوضع له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما يجلبه التجار على عادة بعض أهل المشرق .

فكل ما عده الناس بيعا فهو بيع ، وكذلك في الهبة مثل الهدية ، ومثل تجهيز الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية بأنه عطية لا عارية . وكذلك الإجارات : مثل ركوب سفينة الملاح المكاري وركوب دابة الجمال ; أو الحمار أو البغال المكاري على الوجه المعتاد أنه إجارة ومثل الدخول إلى حمام الحمامي : يدخلها الناس بالأجرة ومثل دفع الثوب إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواء يطبخ أو يشوي للآخر سواء شوى اللحم مشروحا أو غير مشروح .

حتى اختلف أصحابه هل يقع الخلع بالمعاطاة مثل أن تقول اخلعني بهذه الألف أو بهذا الثوب فيقبض العوض على الوجه المعتاد أنه رضي منه بالمعاوضة فذهب العكبريون : كأبي حفص وأبي علي بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح وذكروا من كلام أحمد ومن كلام غيره [ ص: 9 ] من السلف من الصحابة والتابعين ما يوافق قولهم ، ولعله هو الغالب على نصوصه ; بل قد نص على أن الطلاق يقع بالفعل والقول ، واحتج على أنه يقع بالكتاب بقول النبي صلى الله عليه وسلم " { إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به } قال : وإذا كتب فقد عمل . وذهب البغداديون الذين كانوا في ذلك الوقت كأبي عبد الله بن حامد ومن اتبعهم كالقاضي أبي يعلى ومن سلك سبيله : أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام وذكروا من كلام أحمد ما اعتمدوه في ذلك ; بناء على أن الفرقة فسخ النكاح والنكاح يفتقر إلى لفظ ، فكذلك فسخه .

وأما النكاح : فقال هؤلاء كابن حامد والقاضي وأصحابه مثل أبي الخطاب وعامة المتأخرين : إنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكناية لأن الكناية تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة . ومنعوا من انعقاد النكاح بلفظ الهبة أو العطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك .

وقال أكثر هؤلاء - كابن حامد والقاضي والمتأخرين - إنه لا ينعقد إلا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يقدر على تعلمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان ، وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان ; [ ص: 10 ] بناء على أنه مختص بهذين اللفظين وأن فيه شوب التعبد . وهذا - مع أنه ليس منصوصا عن أحمد - فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصا في ذلك وإنما نقلوا قوله في رواية أبي الحارث : إذا وهبت نفسها لرجل فليس بنكاح ; فإن الله تعالى قال : { خالصة لك من دون المؤمنين } وهذا إنما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وهو النكاح بغير مهر ; بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته : أعتقتك وجعلت عتقك صداقك . وبقوله : جعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته .

فاختلف أصحابه فأما أبو عبد الله بن حامد : فطرد قياسه وقال : لا بد مع ذلك من أن يقول : تزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين الصيغتين . وأما القاضي أبو يعلى وغيره : فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وأن ذلك من صور الاستحسان . وذكر ابن عقيل قولا في المذهب : أنه ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج ; لنص أحمد بهذا . وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله . ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه . فإن أصحاب مالك اختلفوا : هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج ؟ على [ ص: 11 ] قولين . والمنصوص عنه إنما هو منع ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من هبة البضع بغير مهر . قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالك . فهو عندي جائز . وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما ; فإن الحكم مبني على مقدمتين : إحداهما : أن ما سوى ذلك كناية وأن الكناية تفتقر إلى النية ، ومذهبهما المشهور : أن دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة وتقوم مقام إظهار النية ; ولهذا جعلا الكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح .

ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح معروفة : من اجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا له فإذا قال بعد ذلك : ملكتكها لك بألف درهم . علم الحاضرون بالاضطرار أن المراد به الإنكاح . وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده : إملاكا وملاكا ، ولهذا روى الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم لخاطب الواهبة - الذي التمس فلم يجد خاتما من حديد - رووه تارة : " { أنكحتكها بما معك من القرآن } وتارة : " ملكتكها " وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه اقتصر على " ملكتكها " ; بل إما أنه قالهما جميعا أو قال أحدهما ; لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء [ ص: 12 ] رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا .

ثم تعيين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد من أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية ; إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو وإن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة . ومعلوم أن العتق لا يتعين له لفظ ; لا عربي ولا عجمي . وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لها لفظ عربي بالإجماع ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهمه من اللغة التي اعتادها .

نعم لو قيل : تكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة : لكان متوجها كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة . وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع .

وقد ذكر أصحاب مالك والشافعي وأصحاب أحمد ; كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل والمتأخرين : أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم . فما اعتقدوه نكاحا بينهم جاز إقرارهم عليه إذا أسلموا وتحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يجز الإقرار عليه حتى قالوا : لو قهر حربي حربية فوطئها [ ص: 13 ] أو طاوعته واعتقداه نكاحا أقرا عليه وإلا فلا .

ومعلوم أن كون القول أو الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر وإنما اختص المسلم بأن الله أمر في النكاح بأن يميز عن السفاح ، كما قال تعالى : { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } وقال : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } فأمر بالولي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تمييزه عن السفاح وصيانة للنساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته ، ولهذا جاء في الأثر : " { المرأة لا تزوج نفسها } فإن البغي هي التي تزوج نفسها وأمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعا : ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات في مذهب أحمد . ومن اقتصر على الإشهاد علله بأن به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنه يحفظ النسب عند التجاحد .

فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والسنة والآثار حكمتها بينة . فأما التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر .

وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة ، وهي التي تعرفها القلوب . وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال : [ ص: 14 ] { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } وقال : { وأنكحوا الأيامى منكم } وقال : { وأحل الله البيع } وقال : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } وقال : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال : { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقال : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } - إلى قوله - { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } وقال : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } وقال : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } وقال : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } . وقال : { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم } .

وقال : { فتحرير رقبة } . وقال : { فطلقوهن لعدتهن } . وقال : { فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } . إلى غير ذلك من الآيات المشروع فيها هذه العقود : إما أمرا وإما إباحة والمنهي فيها عن بعضها كالربا ; فإن الدلالة فيها من وجوه : أحدها : أنه اكتفى بالتراضي في البيع في قوله : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وبطيب النفس في التبرع في قوله { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } فتلك الآية في جنس المعاوضات ، وهذه الآية في جنس التبرعات ولم يشترط لفظا معينا ولا فعلا معينا يدل على التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة .

والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن . وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس ، فلا عبرة بجحد مثل هذا ; فإن جحد الضروريات قد يقع كثيرا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب ، فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها ; ولهذا قلنا : إن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا تواطؤ على الكذب ; لأن الفطر السليمة لا تتفق على الكذب . فأما مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب .

الوجه الثاني : أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد ، فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر والسماء والأرض . ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق وكالصلاة والزكاة [ ص: 16 ] والصيام والحج . وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع : فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم " { من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه } .

ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدا ; لا في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك : من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ الخاصة ; بل قد قيل : إن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم وإنه من البدع . وليس لذلك حد في لغة العرب بحيث يقال : إن أهل اللغة يسمون هذا بيعا ولا يسمون هذا بيعا حتى يدخل أحدهما في خطاب الله ولا يدخل الآخر ; بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا : دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعا ، والأصل بقاء اللغة وتقريرها ; لا نقلها وتغييرها ، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم . فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة .

الوجه الثالث : أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم ، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع . وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما [ ص: 17 ] يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها ، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون : إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى . وإلا دخلنا في معنى قوله : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } .

والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا } ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله تعالى { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون } { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } { وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون } فذكر ما ابتدعوه من العبادات ومن التحريمات ، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : قال الله تعالى : إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا } .

وهذه " قاعدة عظيمة نافعة " . وإذا كان كذلك . فنقول : البيع والهبة والإجارة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها .

وإذا كان كذلك : فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة . كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة . وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها وما لم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي .

وأما السنة والإجماع : فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من أنواع المبايعات والمؤاجرات والتبرعات : [ ص: 19 ] علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين . والآثار في ذلك كثيرة ليس هذا موضعها ، إذ الغرض التنبيه على القواعد . وإلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير هذا .

فمن ذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجده والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته ولم يأمر أحدا أن يقول : وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ ; بل قال النبي صلى الله عليه وسلم " { من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة } فعلق الحكم بنفس بنائه ، وفي الصحيحين : { أنه لما اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب قال : هو لك يا عبد الله بن عمر } ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول . وكان يهدي ويهدى له ، فيكون قبض الهدية قبولها . ولما نحر البدنات قال : " { من شاء اقتطع } مع إمكان قسمتها . فكان هذا إيجابا وكان الاقتطاع هو القبول . وكان يسأل فيعطي أو يعطي من غير سؤال فيقبض المعطى . ويكون الإعطاء هو الإيجاب والأخذ هو القبول : في قضايا كثيرة جدا ; ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغة كما في إعطائه للمؤلفة قلوبهم وللعباس وغيرهم .

وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ونحوها من المدلسات .

[ ص: 20 ] وأيضا : فإن التصرفات جنسان : عقود وقبوض . كما جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " { رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى } ويقول الناس : البيع والشراء والأخذ والعطاء .

والمقصود من العقود : إنما هو القبض والاستيفاء ; فإن المعاقدات تفيد وجوب القبض أو جوازه ; بمنزلة إيجاب الشارع . ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود بمنزلة فعل المأمور به في الشرعيات .

والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد كالعقد ، وتتعلق به أحكام شرعية كما تتعلق بالقبض ، فإذا كان المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات : فكذلك العقود ، وإن حررت عبارته . قلت : أحد نوعي التصرفات ، فكان المرجع فيه إلى عادة الناس كالنوع الآخر .

ومما يلتحق بهذا : أن الإذن العرفي في الإباحة أو التمليك أو التصرف بطريق الوكالة : كالإذن اللفظي . فكل واحد من الوكالة والإباحة ينعقد بما يدل عليها من قول وفعل والعلم برضى المستحق يقوم مقام إظهاره للرضى . وعلى هذا يخرج مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 21 ] عن عثمان بن عفان بيعة الرضوان وكان غائبا وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون استئذانهما ; لعلمه أنهما راضيان بذلك . ولما دعاه صلى الله عليه وسلم اللحام سادس ستة : اتبعهم رجل فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي . وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصري : أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه قال : ذكرتموني أخلاق قوم قد مضوا . وكذلك معنى قول أبي جعفر : إن الإخوان من يدخل أحدهم يده في جيب صاحبه . فيأخذ منه ما شاء .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن استوهبه كبة شعر " { أما ما كان لي ولبني عبد المطلب : فقد وهبته لك } . وكذلك إعطاؤه المؤلفة قلوبهم عند من يقول : إنه أعطاهم من أربعة الأخماس . وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع حكيم بن حزام وعروة بن الجعد لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار ; فإن التصرف بغير استئذان خاص : تارة بالمعاوضة وتارة بالتبرع وتارة بالانتفاع مأخذه : إما إذن عرفي عام أو خاص .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث