الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          [ أثر ]

                                                          أثر : الأثر : بقية الشيء ، والجمع آثار وأثور . وخرجت في إثره وفي أثره ؛ أي : بعده . وأتثرته وتأثرته : تتبعت أثره عن الفارسي . ويقال : آثر كذا وكذا بكذا وكذا ؛ أي : أتبعه إياه ؛ ومنه قول متمم بن نويرة يصف الغيث :


                                                          فآثر سيل الواديين بديمة ترشح وسميا من النبت خروعا



                                                          أي : أتبع مطرا تقدم بديمة بعده . والأثر بالتحريك : ما بقي من رسم الشيء . والتأثير : إبقاء الأثر في الشيء . وأثر في الشيء : ترك فيه أثرا . والآثار : الأعلام . والأثيرة من الدواب : العظيمة الأثر في الأرض بخفها أو حافرها بينة الإثارة . وحكى اللحياني عن الكسائي : ما يدرى له أين أثر ، وما يدرى له ما أثر ؛ أي : ما يدرى أين أصله ولا ما أصله . والإثار : شبه الشمال يشد على ضرع العنز شبه كيس لئلا تعان . والأثرة بالضم : أن يسحى باطن خف البعير بحديدة ليقتص أثره . وأثر خف البعير يأثره أثرا وأثره : حزه . والأثر : سمة في باطن خف البعير يقتفر بها أثره ، والجمع أثور . والمئثرة والثؤرور ، على تفعول بالضم : حديدة يؤثر بها خف البعير ليعرف أثره في الأرض ؛ وقيل : الأثرة والثؤثور والثأثور ؛ كلها : علامات تجعلها الأعراب في باطن خف البعير ؛ يقال منه : أثرت البعير ، فهو مأثور ، ورأيت أثرته وثؤثوره ؛ أي : موضع أثره من الأرض . والأثيرة من الدواب : العظيمة الأثر في الأرض بخفها أو حافرها . وفي الحديث : " من سره أن يبسط الله في رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه " . الأثر : الأجل ، وسمي به ؛ لأنه يتبع العمر ؛ قال زهير :


                                                          والمرء ما عاش ممدود له أمل     لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر



                                                          وأصله من أثر مشيه في الأرض ، فإن من مات لا يبقى له أثر ولا يرى لأقدامه في الأرض أثر ؛ ومنه قوله للذي مر بين يديه وهو يصلي : " قطع صلاتنا قطع الله أثره " دعا عليه بالزمانة لأنه إذا زمن انقطع مشيه فانقطع أثره . وأما ميثرة السرج فغير مهموزة . والأثر : الخبر ، والجمع آثار . وقوله عز وجل : ونكتب ما قدموا وآثارهم أي : نكتب ما أسلفوا من أعمالهم ونكتب آثارهم ؛ أي : من سن سنة حسنة كتب له ثوابها ، ومن سن سنة سيئة كتب عليه عقابها ، وسنن النبي صلى الله عليه وسلم آثاره . والأثر : مصدر قولك أثرت الحديث آثره إذا ذكرته عن غيرك . ابن سيده : وأثر الحديث عن القوم يأثره ويأثره أثرا وأثارة وأثرة ؛ الأخيرة عن اللحياني : أنبأهم بما سبقوا فيه من الأثر ؛ وقيل : حدث به عنهم في آثارهم ؛ قال : والصحيح عندي أن الأثرة الاسم ، وهي المأثرة والمأثرة . وفي حديث علي في دعائه على الخوارج : " ولا بقي منكم آثر " أي : مخبر يروي الحديث ؛ وروي هذا الحديث أيضا بالباء [ ص: 53 ] الموحدة ، وقد تقدم ؛ ومنه قول أبي سفيان في حديث قيصر : " لولا أن يأثروا عني الكذب ؛ أي : يروون ويحكون . وفي حديث عمر رضي الله عنه : أنه حلف بأبيه فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال عمر : فما حلفت به ذاكرا ولا آثرا ؛ قال أبو عبيد : أما قوله : " ذاكرا " فليس من الذكر بعد النسيان إنما أراد متكلما به كقولك ذكرت لفلان حديث كذا وكذا . وقوله : " ولا آثرا " يريد مخبرا عن غيري أنه حلف به ؛ يقول : لا أقول إن فلانا قال وأبي لا أفعل كذا وكذا ؛ أي : ما حلفت به مبتدئا من نفسي ، ولا رويت عن أحد أنه حلف به ، ومن هذا قيل : حديث مأثور ؛ أي : يخبر الناس به بعضهم بعضا ؛ أي : ينقله خلف عن سلف ؛ يقال منه : أثرت الحديث ، فهو مأثور وأنا آثر ؛ قال الأعشى :


                                                          إن الذي فيه تماريتما     بين للسامع والآثر



                                                          ويروى بين . ويقال : إن المأثرة مفعلة من هذا يعني المكرمة ، وإنما أخذت من هذا لأنها يأثرها قرن عن قرن أي : يتحدثون بها . وفي حديث علي كرم الله وجهه : ولست بمأثور في ديني ؛ أي : لست ممن يؤثر عني شر وتهمة في ديني ، فيكون قد وضع المأثور موضع المأثور عنه ؛ وروي هذا الحديث بالباء الموحدة ، وقد تقدم . وأثرة العلم وأثرته وأثارته : بقية منه تؤثر ؛ أي : تروى وتذكر ؛ وقرئ : ( أو أثرة من علم ) ( وأثرة من علم وأثارة ) والأخيرة أعلى ؛ وقال الزجاج : أثارة في معنى علامة ، ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم ، ويجوز أن يكون على ما يؤثر من العلم . ويقال : أو شيء مأثور من كتب الأولين ، فمن قرأ : ( أثارة ) فهو المصدر مثل السماحة ، ومن قرأ : ( أثرة ) فإنه بناه على الأثر كما قيل قترة ، ومن قرأ : أثرة فكأنه أراد مثل الخطفة والرجفة . وسمنت الإبل والناقة على أثارة ؛ أي : على عتيق شحم كان قبل ذلك ؛ قال الشماخ :


                                                          وذات أثارة أكلت عليه     نباتا في أكمته ففارا



                                                          قال أبو منصور : ويحتمل أن يكون قوله : أو أثارة من علم من هذا ؛ لأنها سمنت على بقية شحم كانت عليها ، فكأنها حملت شحما على بقية شحمها . وقال ابن عباس : أو أثارة من علم إنه علم الخط الذي كان أوتي بعض الأنبياء . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال : قد كان نبي يخط فمن وافقه خطه ؛ أي : علم من وافق خطه من الخطاطين خط ذلك النبي عليه السلام فقد علم علمه . وغضب على أثارة قبل ذلك ؛ أي : قد كان قبل ذلك منه غضب ثم ازداد بعد ذلك غضبا ؛ هذه عن اللحياني : والأثرة والمأثرة والمأثرة بفتح الثاء وضمها : المكرمة ؛ لأنها تؤثر أي : تذكر ويأثرها قرن عن قرن يتحدثون بها ، وفي المحكم : المكرمة المتوارثة . أبو زيد : مأثرة ومآثر وهي القدم في الحسب . وفي الحديث : ألا إن كل دم ومأثرة كانت في الجاهلية فإنها تحت قدمي هاتين ؛ مآثر العرب : مكارمها ومفاخرها التي تؤثر عنها ؛ أي : تذكر وتروى ، والميم زائدة . وآثره : أكرمه . ورجل أثير : مكين مكرم ، والجمع أثراء والأنثى أثيرة . وآثره عليه : فضله . وفي التنزيل : لقد آثرك الله علينا . وأثر أن يفعل كذا أثرا وأثر وآثر ، كله : فضل وقدم . وآثرت فلانا على نفسي : من الإيثار . الأصمعي : آثرتك إيثارا ؛ أي : فضلتك . وفلان أثير عند فلان وذو أثرة إذا كان خاصا . ويقال : قد أخذه بلا أثرة وبلا إثرة وبلا استئثار ؛ أي : لم يستأثر على غيره ولم يأخذ الأجود ؛ وقال الحطيئة يمدح عمر رضي الله عنه :


                                                          ما آثروك بها إذا قدموك لها     لكن لأنفسهم كانت بها الإثر



                                                          أي : الخيرة والإيثار ، وكأن الإثر جمع الإثرة وهي الأثرة ؛ وقول الأعرج الطائي :


                                                          أراني إذا أمر أتى فقضيته     فزعت إلى أمر علي أثير



                                                          قال : يريد المأثور الذي أخذ فيه ؛ قال : وهو من قولهم خذ هذا آثرا . وشيء كثير أثير : إتباع له مثل بثير .

                                                          واستأثر بالشيء على غيره : خص به نفسه واستبد به ؛ قال الأعشى :


                                                          استأثر الله بالوفاء وبال     عدل وولى الملامة الرجلا



                                                          وفي الحديث : " إذا استأثر الله بشيء فاله عنه " . ورجل أثر على فعل ، وأثر : يستأثر على أصحابه في القسم . ورجل أثر مثال فعل : وهو الذي يستأثر على أصحابه ؛ مخفف ، وفي الصحاح ؛ أي : يحتاج لنفسه أفعالا وأخلاقا حسنة . وفي الحديث : " قال للأنصار : إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا " الأثرة بفتح الهمزة والثاء : الاسم من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى ، أراد أنه يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء . والإستئثار : الانفراد بالشيء ؛ ومنه حديث عمر : فوالله ما أستأثر بها عليكم ولا آخذها دونكم ، وفي حديثه الآخر لما ذكر له عثمان للخلافة فقال : أخشى حفده وأثرته ؛ أي : إيثاره وهي الإثرة ، وكذلك الأثرة والأثرة ؛ وأنشد أيضا :


                                                          ما آثروك بها إذا قدموك لها     لكن بها استأثروا إذ كانت الإثر



                                                          وهي الأثرى ؛ قال :


                                                          فقلت له : يا ذئب هل لك في أخ     يواسي بلا أثرى عليك ولا بخل



                                                          وفلان أثيري ؛ أي : خلصاني . أبو زيد : يقال قد آثرت أن أقول ذلك أؤاثر أثرا . وقال ابن شميل : إن آثرت أن تأتينا فأتنا يوم كذا وكذا ، أي : إن كان لا بد أن تأتينا فأتنا يوم كذا وكذا . ويقال : قد أثر أن يفعل ذلك الأمر ؛ أي : فرغ له وعزم عليه . وقال الليث : يقال لقد أثرت بأن أفعل كذا وكذا وهو هم في عزم . ويقال : افعل هذا يا فلان آثرا ما ؛ إن اخترت ذلك الفعل فافعل هذا إما لا . واستأثر الله فلانا وبفلان إذا مات ، وهو ممن يرجى له الجنة ورجي له الغفران .

                                                          والأثر والإثر والأثر على فعل ، وهو واحد ليس بجمع : فرند السيف ورونقه ، والجمع أثور ؛ قال عبيد بن الأبرص :


                                                          ونحن صبحنا عامرا يوم أقبلوا [ ص: 54 ]     سيوفا عليهن الأثور بواتكا



                                                          وأنشد الأزهري :


                                                          كأنهم أسيف بيض يمانية     عضب مضاربها باق بها الأثر



                                                          وأثر السيف : تسلسله وديباجته ؛ فأما ما أنشده ابن الأعرابي من قوله :


                                                          فإني إن أقع بك لا أهلك     كوقع السيف ذي الأثر الفرند



                                                          فإن ثعلبا قال : إنما أراد ذي الأثر ؛ فحركه للضرورة . قال ابن سيده : ولا ضرورة هنا عندي ؛ لأنه لو قال : " ذي الأثر " فسكنه على أصله لصار مفاعلتن إلى مفاعيلن ، وهذا لا يكسر البيت ، لكن الشاعر إنما أراد توفية الجزء فحرك لذلك ، ومثله كثير ، وأبدل " الفرند " من " الأثر " . الجوهري : قال يعقوب لا يعرف الأصمعي الأثر إلا بالفتح ؛ قال : وأنشدني عيسى بن عمر لخفاف ابن ندبة وندبة أمه :


                                                          جلاها الصيقلون فأخلصوها     خفافا كلها يتقي بأثر



                                                          أي : كلها يستقبلك بفرنده ، ويتقي مخفف من يتقي ؛ أي : إذا نظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها ، ويقال تقيته أتقيه واتقيته أتقيه . وسيف مأثور : في متنه أثر ، وقيل : هو الذي يقال إنه يعمله الجن وليس من الأثر الذي هو الفرند ؛ قال ابن مقبل :


                                                          إني أقيد بالمأثور راحلتي     ولا أبالي ولو كنا على سفر



                                                          قال ابن سيده : وعندي أن المأثور مفعول لا فعل له كما ذهب إليه أبو علي في المفئود الذي هو الجبان . وأثر الوجه وأثره : ماؤه ورونقه . وأثر السيف : ضربته . وأثر الجرح : أثره يبقى بعدما يبرأ . الصحاح : والأثر ، بالضم ، أثر الجرح يبقى بعد البرء ، وقد يثقل مثل عسر وعسر ؛ وأنشد :


                                                          عضب مضاربها باق بها الأثر



                                                          هذا العجز أورده الجوهري :


                                                          بيض مضاربها باق بها الأثر



                                                          والصحيح ما أوردناه ؛ قال : وفي الناس من يحمل هذا على الفرند . والإثر والأثر : خلاصة السمن إذا سلئ ، وهو الخلاص والخلاص ، وقيل : هو اللبن إذا فارقه السمن ، قال : والإثر والضرب معا كالآصيه

                                                          الآصية : حساء يصنع بالتمر ؛ وروى الإيادي عن أبي الهيثم أنه كان يقول الإثر ، بكسرة الهمزة ، لخلاصة السمن ؛ وأما فرند السيف فكلهم يقول : أثر . ابن بزرج : جاء فلان على إثري وأثري ؛ قالوا : أثر السيف ، مضموم : جرحه ، وأثره ، مفتوح : رونقه الذي فيه . وأثر البعير في ظهره ، مضموم ؛ وأفعل ذلك آثرا وأثرا . ويقال : خرجت في أثره وإثره ، وجاء في أثره وإثره ، وفي وجهه أثر وأثر ، وقال الأصمعي : الأثر ، بضم الهمزة ، من الجرح وغيره في الجسد يبرأ ويبقى أثره . قال شمر : يقال في هذا أثر وأثر ، والجمع آثار ، ووجهه إثار ، بكسر الألف . قال : ولو قلت أثور كنت مصيبا . ويقال : أثر بوجهه وبجبينه السجود وأثر فيه السيف والضربة . الفراء : ابدأ بهذا آثرا ما ، وآثر ذي أثير ، وأثير ذي أثير أي : ابدأ به أول كل شيء . ويقال : افعله آثرا ما وأثرا ما ؛ أي : إن كنت لا تفعل غيره فافعله ، وقيل : افعله مؤثرا له على غيره ، و " ما " زائدة ، وهي لازمة لا يجوز حذفها ؛ لأن معناه افعله آثرا مختارا له معنيا به ، من قولك : آثرت أن أفعل كذا وكذا . ابن الأعرابي : افعل هذا آثرا ما وآثرا ، بلا ما ، ولقيته آثرا ما ، وأثر ذات يدين وذي يدين وآثر ذي أثير ؛ أي : أول كل شيء ، ولقيته أول ذي أثير ، وإثر ذي أثير ؛ وقيل : الأثير الصبح ، وذو أثير وقته ، قال عروة بن الورد :


                                                          فقالوا : ما تريد ؟ فقلت : ألهو     إلى الإصباح آثر ذي أثير



                                                          وحكى اللحياني : إثر ذي أثيرين ، وأثر ذي أثيرين ، وإثرة ما . المبرد في قولهم : خذ هذا آثرا ما ، قال : كأنه يريد أن يأخذ منه واحدا ، وهو يسام على آخر فيقول : خذ هذا الواحد آثرا ؛ أي : قد آثرتك به وما فيه حشو ثم سل آخر . وفي نوادر الأعراب : يقال أثر فلان بقول كذا وكذا وطبن وطبق ودبق ولفق وفطن ، وذلك إذا أبصر الشيء وضري بمعرفته وحذقه . والأثرة : الجدب والحال غير المرضية ؛ قال الشاعر :


                                                          إذا خاف من أيدي الحوادث أثرة     كفاه حمار ، من غني ، مقيد



                                                          ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " . وأثر الفحل الناقة يأثرها أثرا : أكثر ضرابها .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية