الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة

يجمع تلك المعاني على كثرتها ست جمل : حضور القلب ، والتفهم ، والتعظيم ، والهيبة ، والرجاء ، والحياء ، فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها .

أما التفاصيل : فالأول : حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به ، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ، ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما ، والتفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب ، وهو اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ ، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة تمنعه عن الفحشاء والمنكر ، والتعظيم وراء الحضور ، والفهم زائد عليهما ، والهيبة زائدة على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم والإجلال ، والرجاء الطمع بمثوبته تعالى ، ويقابله الخوف من عقابه تعالى بتقصيره ، والحياء استشعار تقصيره وتوهم ذنب .

وأما أسباب هذه المعاني الستة ، فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة ، فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك ، ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه ، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا ، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة ، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها ، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها .

وأما التفهم : فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى ، وعلاجه ما تقدم مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر . وعلاج دفعها قطع موادها ، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها .

[ ص: 36 ] وأما التعظيم : فهي حالة للقلب تتولد مع معرفتين :

إحداهما : معرفة جلالة الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان .

الثانية : معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم .

وأما الهيبة والخوف : فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به ، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة . وكلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة .

وأما الرجاء : فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ، ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة ، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة .

وأما الحياء : فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظم حق الله عز وجل ، ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت ، وهذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء .

فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ، ففي معرفة السبب معرفة العلاج ، ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث