الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقسام علوم القرآن

أقسام علوم القرآن

قال في «الفوز الكبير»: إن معاني القرآن المنطوقة لا تخرج عن خمسة علوم:

منها: علم المخاصمة، والرد على الفرق الضالة الأربعة من اليهود، والنصارى، والمشركين، والمنافقين. [ ص: 77 ]

والتفريع على هذا العلم منوط بذمة المتكلم.

وقال: واختار -سبحانه وتعالى- في آيات المخاصمة إلزام الخصم بالمشهورات المسلمة، والخطابيات النافعة، لا تنقيح البراهين على طريق المنطقيين.

ولم يراع مناسبة في الانتقال من مطلب إلى مطلب كما هو قاعدة الأدباء المتأخرين، بل نشر كل ما أهم إلقاؤه على العباد؛ تقدم، أو تأخر.

وعامة المفسرين يربطون كل آية من آيات المخاصمة، وآيات الأحكام بقصة، ويظنون أن تلك القصة سبب نزولها.

والمحقق: أن القصد الأصلي من نزول القرآن تهذيب النفوس البشرية، ودمغ العقائد الباطلة، ونفي الأعمال الفاسدة.

فوجود العقائد الباطلة في المكلفين سبب لنزول آيات المخاصمة.

ووجود الأعمال الفاسدة، وجريان المظالم فيما بينهم سبب لنزول آيات الأحكام.

قال: قد وقع في القرآن المجيد المخاصمة مع الفرق الأربع الضالة: المشركين، والمنافقين، واليهود والنصارى.

وهذه المخاصمة على قسمين:

الأول: أن تذكر العقيدة الباطلة مع التنصيص على شناعتها، وتذكرها إنكارا لا غير.

والثاني: أن تقرر شبهاتهم، وتذكر حلها بالأدلة البرهانية، أو الخطابية.

أما المشركون، فكانوا يسمون أنفسهم: حنفاء، وكانوا يدعون التدين بالملة الإبراهيمية.

وإنما يقال الحنيف: لمن تدين بالملة الإبراهيمية، والتزم شعارها.

وشعارها حج البيت الحرام، واستقباله في الصلاة، والغسل من الجنابة، والاختتان، وسائر خصال الفطرة، وتحريم الأشهر الحرم، وتعظيم المسجد [ ص: 78 ] الحرام، وتحريم المحرمات النسبية، والرضاعية، والذبح في الحلق، والنحر في اللبة، والتقرب بالذبح، والنحر خصوصا في أيام الحج.

وقد كان في أصل الملة: الوضوء، والصلاة، والصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والصدقة على اليتامى والمساكين، والإعانة في نوائب الحق، وصلة الأرحام مشروعة، وكان التمدح بهذه الأفعال شائعا فيما بينهم.

ولكن جمهور المشركين كانوا يتركونها حتى صارت هذه الأفعال كأن لم تكن شيئا.

وقد كان تحريم القتل، والسرقة، والزنا، والربا، والغصب أيضا ثابتا في أصل الملة، وكان إنكار هذه الأشياء جاريا في الجملة.

وأما جمهور المشركين، فيرتكبونها، ويتبعون النفس الأمارة فيها.

وقد كانت عقيدة إثبات الصانع -سبحانه وتعالى-، وأنه هو خالق السماوات والأرضين، ومدبر الحوادث العظام، وأنه قادر على إرسال الرسل، وجزاء العباد بما يعملون، وأنه مقدر للحوادث قبل وقوعها، وعقيدة أن الملائكة عباده المقربون المستحقون للتعظيم أيضا ثابتة فيما بينهم، ويدل على ذلك أشعارهم.

وكان قد وقع لجمهور المشركين في هذه العقائد شبهات كثيرة ناشئة من استبعاد هذه الأمور، وعدم ألفتها.

وكان ضلالهم الشرك، والتشبيه، والتحريف، وإنكار المعاد، واستبعاد رسالته صلى الله عليه وسلم، وشيوع الأعمال القبيحة والمظالم فيما بينهم، وابتداع الرسوم الفاسدة، واندراس العبادات.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث