الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صيام المجنون والمغمى عليه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 255 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ومن زال عقله بجنون لا يجب عليه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { وعن المجنون حتى يفيق } فإن أفاق لم يجب عليه قضاء ما فاته [ حال ] الجنون ; لأنه صوم فات في حال سقط فيه التكليف لنقص فلم يجب [ قضاؤه ] ، كما لو فات في حال الصغر ، وإن زال عقله بالإغماء لم يجب عليه في الحال ; لأنه لا يصح منه فإن أفاق وجب عليه القضاء ; لقوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } والإغماء مرض ويخالف الجنون فإنه نقص ، ولهذا لا يجوز الجنون على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ويجوز عليهم الإغماء ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث سبق بيانه قريبا . وقوله : ( سقط فيه التكليف لنقص ) احتراز من الإغماء والحيض .

( أما الأحكام ) ففيه مسألتان ( إحداهما ) المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع ، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون ، سواء قل أو كثر ، وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه . هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه يلزمه مطلقا ، حكاه الماوردي وابن الصباغ وآخرون عن ابن سريج . قال الماوردي : هذا مذهب لابن سريج وليس بصحيح . قال : ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء أنه لا يلزمه القضاء . وحكاه صاحب البيان عن ابن سريج ثم قال : وقيل : لا يصح عنه ، وفيه وجه ثالث وهو مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إن أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما فاته ، وإن أفاق بعده فلا قضاء .

قال صاحب البيان : قال ابن سريج : وقد حكى المزني في المنثور هذا عن الشافعي ، قال : ولا يصح عنه ، قال صاحب البيان : وهذا يدل على بطلان الحكاية عن ابن سريج فيمن أفاق بعد الشهر أنه [ ص: 256 ] يلزمه القضاء ، فحصل ثلاثة أوجه ( المذهب ) أنه لا قضاء عليه ( والثاني ) يجب إن أفاق في الشهر لا بعده ، ودليل المذهب في الكتاب ، وحكاه الرافعي ثلاثة أقوال . وقال : وهذا في الجنون المنفرد ، فلو ارتد ثم جن أو سكر ثم جن ففي وجوب القضاء وجهان ، قال : ولعل الأصح الفرق بين اتصاله بالردة واتصاله بالسكر كما سبق في الصلاة . وهذا الذي أشار إلى تصحيحه هو الأصح فيجب في المرتد قضاء الجميع ولا يجب في السكران إلا قضاء أيام السكر ; لأن حكم الردة مستمر بخلاف السكر .

( المسألة الثانية ) المغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف . ولنا قول مخرج وهو مذهب المزني أنه يصح صوم المغمى عليه ، وعلى هذا القول لا يلزمه الصوم أيضا بلا خلاف لأنه غير مكلف ، ويجب القضاء على المغمى عليه سواء استغرق جميع رمضان أو بعضه لما ذكره المصنف . وحكى الأصحاب وجها عن ابن سريج أن الإغماء المستغرق لجميع رمضان لا قضاء فيه كالجنون ، وكما لا يجب عليه قضاء الصلاة ، هكذا نقل الجمهور عن ابن سريج . ونقل البغوي عنه أنه إذا استغرق الإغماء رمضان أو يوما منه لا قضاء عليه ، واختار صاحب الحاوي قول ابن سريج هذا في أنه لا قضاء على المغمى عليه والمذهب وجوب القضاء عليه . وفرق الأصحاب بين الجنون والإغماء بما فرق المصنف ، وبين الصوم والصلاة أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم . وهذا هو الفرق بين قضاء الحائض الصوم دون الصلاة . قال أصحابنا : ومن زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة أو بعذر آخر لزمه قضاء الصوم دون الصلاة كالمغمى عليه ولا يأثم بترك الصوم في زمن زوال عقله . وأما من زال عقله بمحرم كخمر أو غيره مما سبق بيانه في أول كتاب الصلاة فيلزمه القضاء ويكون آثما بالترك . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث