الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه في البحر إلى الخضر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه في البحر إلى الخضر

التالي السابق


الكلام فيه على أنواع ; الأول : أن التقدير هذا باب في بيان ما ذكر - إلى آخره ، وارتفاع " باب " على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو مضاف إلى ما بعده ، والذهاب بالفتح مصدر ذهب ، قال الصغاني : وذهب مر ذاهبا ومذهبا وذهوبا وذهب مذهبا حسنا .

الثاني : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو الاغتباط في العلم ، وهذا الباب في الترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم ، وما يغتبط فيه يتحمل فيه المشقة ، ووجه آخر وهو أن المغتبط شأنه الاغتباط وإن بلغ المحل الأعلى من كل الفضائل ، وهذا الباب فيه أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب الفضيلة والكمال حتى قاسى تعب البر وركوب البحر .

الثالث : أن هذا التركيب يفيد أن موسى عليه الصلاة والسلام ركب البحر لما توجه في طلب الخضر مع أن الذي ثبت عند البخاري وغيره أنه خرج إلى البر ، وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا ، ويمكن أن يوجه هذا بتوجيهين ; أحدهما أن المقصود من الذهاب إنما حصل بتمام القصة ، ومن تمامها أنه ركب مع الخضر البحر فأطلق على جميعها ذهابا مجازا من قبيل إطلاق اسم الكل على البعض أو من قبيل تسمية السبب باسم ما تسبب عنه ، والآخر أن الظرف - وهو قوله " في البحر " في قوله " وكان يتبع أثر الحوت في البحر " - يحتمل أن يكون لموسى ويحتمل أن يكون للحوت ، وإذا كان كذلك فلعله قوي عنده أحد الاحتمالين بما روى عبد بن حميد عن أبي العالية أن موسى عليه الصلاة والسلام التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر ، انتهى . والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلا بسلوك البحر وبما رواه أيضا من طريق الربيع بن أنس قال : انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار طاقة مفتوحة فدخلها موسى عليه الصلاة والسلام على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر - فهذان [ ص: 59 ] الأثران الموقوفان برجال ثقات يوضحان أنه ركب البحر إليه ، وعن هذا قال ابن رشيد : يحتمل أن يكون ثبت عند البخاري أن موسى عليه الصلاة والسلام توجه في البحر لما طلب الخضر ، وحمل ابن المنير كلمة " إلى " بمعنى مع ; يعني مع الخضر . وقال بعضهم : يحمل قوله " إلى الخضر " على أن فيه حذفا ; أي إلى قصد الخضر ، لأن موسى عليه السلام لم يركب البحر لحاجة نفسه ، وإنما ركبه تبعا للخضر . قلت : هذا لا يقع جوابا عن الإشكال المذكور ، وإنما هو كلام طائح ولا يخفى ذلك .

الرابع : أن موسى عليه السلام هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام ، ولد وعمر عمران سبعون سنة ، وعمر عمران مائة وسبعا وثلاثين سنة ، وعمر موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة . وقال الفربري : مات موسى وعمره مائة وستون سنة ، وكانت وفاته في التيه في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان في أيام منوجهر الملك ، وكان عمره لما خرج ببني إسرائيل من مصر ثمانين سنة ، وأقام بالتيه أربعين سنة ، ولما مات الريان بن الوليد الذي ولى يوسف على خزائن مصر وأسلم على يديه ملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى ، وكان جبارا ، وقبض الله يوسف عليه السلام ، وطال ملكه ثم هلك ، وملك بعده أخوه الوليد بن مصعب بن ريان بن إراشة بن شروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام ، وكان أعتى من قابوس ، وامتدت أيام ملكه حتى كان فرعون موسى عليه السلام الذي بعثه الله إليه ، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمرا في الملك منه ، عاش أربعمائة سنة ، وموسى معرب موشى بالشين المعجمة ، سمته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لما وجدوه في التابوت ، وهو اسم اقتضاه حاله لأنه وجد بين الماء والشجر ، فمو بلغة القبط الماء وشى الشجر ، فعرب فقيل موسى . وقال الصغاني : هو عبراني عرب . وقال أبو عمرو بن العلاء : موسى اسم رجل وزنه مفعل فعلى ، هذا يكون مصروفا في النكرة . وقال الكسائي : وزنه فعلى ، وهو لا ينصرف بحال . قلت : إن كان عربيا يكون اشتقاقه من الموس وهو حلق الشعر ، فالميم أصلية ، ويقال من أوسيت رأسه إذا حلقته بالموسى ، فعلى هذا الميم زائدة . وقال ابن فارس : النسبة إليه موسي ; وذلك لأن الياء فيه زائدة - كذا قال الكسائي . وقال ابن السكيت في كتاب التصغير : تصغير اسم رجل مويسي ، كأن موسى فعلى ، وإن شئت قلت مويسي بكسر السين وإسكان الياء غير منونة ، ويقال في النكرة هذا مويسي ومويس آخر - فلم تصرف الأول لأنه أعجمي معرفة ، وصرفت الثاني لأنه نكرة ، وموسى في هذا التصغير مفعل . قال : فأما موسى الحديدة فتصغيرها مويسية ، فمن قال هذه موسى ومويس . قال : وهي تذكر وتؤنث ، وهي من الفعل مفعل والياء أصلية .

الخامس : البحر خلاف البر ، قيل سمي بذلك لعمقه واتساعه ، والجمع أبحر وبحار وبحور . وقال ابن السكيت : تصغير بحور وبحار أبيحر ، ولا يجوز أن تصغر بحار على لفظها فتقول بحير ; لأن ذلك مضارع الواحد فلا يكون بين تصغير الواحد وتصغير الجمع إلا التشديد ، والعرب تنزل المشدد منزلة المخفف ، والتركيب يدل على البسط والتوسع .

واختلفوا في البحرين في قوله تعالى : لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين - فقيل : هو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق . وقيل : طنجة . وقيل : أفريقية . وذكر السهيلي أنها بحر الأردن وبحر القلزم ، وقيل : بحر المغرب وبحر الزقاق . قلت : بحر فارس ينبعث من بحر الهند شمالا بين مكران ، وهي على فم بحر فارس من شرقيه وبين عمان ، وهي على فم بحر فارس من غربيه ، وبحر الروم هو بحر أفريقية والشام يمتد من عند البحر الأخضر إلى المشرق ويتصل بطرسوس ، وبحر طنجة بينها وبين سبتة وغيرهما من بر العدوة من الأندلس ، وبحر أفريقية هو بحر طرابلس الغرب يمتد منها شرقا حتى يتجاوز حدود أفريقية ، وهو الذي يتصل بإسكندرية ، والكل يسمى بحر الروم ، وإنما يضاف إلى البلاد عند الاتصال إليها ، وبحر القلزم يأخذ من القلزم وهي بلدة للسودان على طرفه الشمال جنوبا بميله إلى المشرق حتى يصير عند القصير ، وهي فرصة قوص والأردن - بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملتين وتشديد النون في آخرها ، بلدة من بلاد الغور من الشام ولا أعرف بحرا ينسب إليها ، وإنما نسب إليها نهر كبير يسمى نهر الأردن ، وهو نهر الغور ، ويسمى الشريعة أيضا ، وآخره ينتهي إلى البحيرة المنتنة وهي بحيرة زغر . وبحر الزقاق بين طنجة وبر الأندلس هناك يسمى بحر الزقاق ، وهو يضيق هناك ، وبحر الغرب هو البحر الأخضر الذي لا يعرف منه إلا ما يلي الغرب من أقاصي الحبشة إلى خلف بلاد الرومية ، وهي بحيث لا يدرك آخرها لأن المراكب لا تجري فيها ، وله خليج إلى الأندلس وطنجة .

السادس : الخضر والكلام فيه على [ ص: 60 ] أنواع ; الأول في اسمه ، فذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه أنه بليا - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبالياء آخر الحروف ، ويقال إبليا بزيادة الهمزة في أوله . وقيل : اسمه خضرون - ذكره أبو حاتم السجستاني . وقيل : أرميا ، وقيل : اسمه اليسع - قاله مقاتل ، ويسمى بذلك لأن علمه وسع ست سماوات وست أرضين ، ووهاه ابن الجوزي ، واليسع اسم أعجمي ليس بمشتق . وقيل اسمه أحمد - حكاه القشيري ووهاه ابن دحية ; فإنه لم يسم أحد قبل نبينا عليه السلام بذلك . وقيل : عامر - حكاه ابن دحية في كتابه مرج البحرين ، والأول هو المشهور . والخضر بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمة لقبه - ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها كما في نظائره .

الثاني في سبب تلقيبه بذلك ، وهو ما جاء في الصحيح في كتاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال : إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء - والفروة وجه الأرض ، وقيل النبات المجتمع اليابس ، وقيل سمي به لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله - قاله مجاهد . وقال الخطابي : إنما سمي به لحسنه وإشراق وجهه ، وكنيته أبو العباس .

الثالث في نسبه ، فقال ابن قتيبة هو بليا بن ملكان - بفتح الميم وسكون اللام - ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام . وقيل : خضرون بن عماييل بن الفتر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام . وقيل : هو ابن حلقيا . وقيل : ابن قابيل بن آدم - ذكره أبو حاتم السجستاني . وقيل : إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر - وهذا غريب جدا ، قال ابن الجوزي : رواه محمد بن أيوب عن أبي لهيعة - وهما ضعيفان . وقيل : إنه ابن ملك ، وهو أخو إلياس - قاله السدي . وقيل : ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه . وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال : الخضر أمه رومية وأبوه فارسي . وروى أيضا بإسناده إلى الدارقطني : حدثنا محمد بن الفتح القلانسي ، حدثنا العباس بن عبد الله ، حدثنا داود بن الجراح ، حدثنا مقاتل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : الخضر بن آدم لصلبه ، ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال - وهذا منقطع غريب . وقال الطبري : قيل إنه الرابع من أولاده ، وقيل إنه من ولد عيصوا - حكاه ابن دحية . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه من سبط هارون ، وكذا قال ابن إسحاق . وقال عبد الله بن مؤدب : إنه من ولد فارس . وقال بعض أهل الكتاب : إنه ابن خالة ذي القرنين .

الرابع في أي وقت كان ; قال الطبري : كان في أيام أفريدون . قال : وقيل كان مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، وذو القرنين عند قوم هو أفريدون ، ويقال : إنه كان وزير ذي القرنين وإنه شرب من ماء الحياة . وذكر الثعلبي اختلافا أيضا هل كان في زمن إبراهيم عليه السلام أم بعده بقليل أم بكثير ؟ وذكر بعضهم أنه كان في زمن سليمان عليه السلام وأنه المراد بقوله " قال الذي عنده علم من الكتاب " - حكاه الداودي . ويقال : كان في زمن كستاسب بن لهراسب . قال ابن جرير : والصحيح أنه كان مقدما على زمن أفريدون حتى أدركه موسى عليه السلام .

الخامس هل كان وليا أم نبيا ؟ وبالأول جزم القشيري ، واختلف أيضا هل كان نبيا مرسلا أم لا على قولين ، وأغرب ما قيل أنه من الملائكة ، والصحيح أنه نبي ، وجزم به جماعة . وقال الثعلبي : هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار - وصححه ابن الجوزي أيضا في كتابه لقوله تعالى حكاية عنه : وما فعلته عن أمري - فدل على أنه نبي أوحي إليه ، ولأنه كان أعلم من موسى في علم مخصوص ، ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذلك العصر يأمر الخضر بذلك ، ولأنه أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذلك إلا للوحي إليه في ذلك ; لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفس بمجرد ما يلقى في خلده لأن خاطره ليس بواجب العصمة .

السادس في حياته ; فالجمهور على أنه باق إلى يوم القيامة ، قيل : لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة . وقيل : لأنه شرب من عين الحياة . وقال ابن الصلاح : هو حي عند جماهير العلماء والصالحين ، والعامة معهم في ذلك ، وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين . ونقله النووي عن الأكثرين ، وقيل : إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حتى يرتفع القرآن . وفي صحيح مسلم في حديث الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحييه ، قال إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم : يقال له إنه الخضر - وكذلك قال معمر في مسنده ، وأنكر حياته جماعة منهم البخاري وإبراهيم الحربي وابن المناوي وابن الجوزي .

فإن قيل : خضر علم ، فكيف دخل عليه آلة التعريف ؟ قيل له : قد يتأول العلم بواحد من الأمة المساوية فيجري مجرى رجل وفرس ، فيجري على إضافته وعلى إدخال اللام [ ص: 61 ] عليه ، ثم بعض الأعلام دخول لام التعريف عليه لازم نحو النجم والثريا وبعضها غير لازم نحو الحارث ، والخضر من هذا القسم . قلت : العلم إذا لوحظ فيه معنى الوصف يجوز إدخال اللام عليه كالعباس والحسن وغيرهما .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث