الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

آداب المحدث

آداب المحدث


684 . وصحح النية في التحديث واحرص على نشرك للحديث      685 . ثم توضأ واغتسل واستعمل
طيبا وتسريحا وزبر المعتلي      686 . صوتا على الحديث واجلس بأدب
وهيبة بصدر مجلس وهب      687 . لم يخلص النية طالب فعم
ولا تحدث عجلا أو إن تقم      688 . أو في الطريق ثم حيث احتيج لك
في شيء اروه وابن خلاد سلك      689 . بأنه يحسن للخمسينا
عاما ولا بأس لأربعينا      690 . ورد . والشيخ بغير البارع
خصص لا كمالك والشافعي

[ ص: 17 ]

التالي السابق


[ ص: 17 ] من تصدى لإسماع الحديث ، أو الإفادة فيه فليقدم تصحيح النية وإخلاصها ، فإنما الأعمال بالنيات ، وقد قال سفيان الثوري : قلت لحبيب بن أبي ثابت حدثنا . قال : حتى تجيء النية . وقيل لأبي الأحوص سلام بن سليم حدثنا . فقال : ليست لي نية ، فقالوا له : إنك تؤجر . فقال :


يمنونني الخير الكثير وليتني نجوت كفافا لا علي وليا



وروينا عن حماد بن زيد أنه قال : أستغفر الله إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء ، وليكن أكبر همه نشر الحديث ، والعلم ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ عنه ، وقد كان عروة يتألف الناس على حديثه . وقال سفيان الثوري : تعلموا هذا العلم فإذا علمتموه فتحفظوه ، فإذا حفظتموه فاعملوا به ، فإذا عملتم به فانشروه . ويستحب له أن يستعمل عند إرادة التحديث ما رويناه عن مالك - رضي الله عنه - ، أنه كان إذا أراد أن يحدث توضأ ، وجلس على صدر فراشه ، وسرح لحيته ، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ، وحدث ، فقيل له في ذلك ، فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا ، وكان يكره أن يحدث في الطريق ، أو وهو قائم ، أو يستعجل وقال : [ ص: 18 ] أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروينا عنه أيضا أنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب ، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره ، وقال : قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقولي : (وهب لم يخلص النية) أي : وهب أن الطالب لم يخلص نيته فلا تمتنع من تحديثه ، بل عم كل طالب علم . وروينا عن الثوري أنه قال : ما كان في الناس أفضل من طلبة الحديث ، فقال له ابن مهدي : يطلبونه بغير نية ، فقال : طلبهم إياه نية . وروينا عن حبيب بن أبي ثابت ومعمر بن راشد أنهما قالا : طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ، ثم رزق الله عز وجل النية بعد وروينا عن معمر أيضا ، قال : إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله عز وجل . قال الخطيب : "والذي نستحبه أن يروي المحدث لكل أحد سأله التحديث ، ولا يمنع أحدا من الطلبة" . وقولي : (أو أن تقم) أي : في حال قيامك ، فإنه معطوف على الحال التي قبله [ ص: 19 ] .

وقولي : (ثم حيث احتيج لك في شيء اروه) ، بيان للوقت الذي يحسن فيه التصدي للإسماع ، والتحديث . فإن كان قد احتيج إلى ما عنده ، فقد اختلف فيه كلام الخطيب ، وابن الصلاح في الوجوب والاستحباب ، فلهذا أتيت فيه بصيغة الأمر الصالحة لهما في قولي : (اروه) . قال الخطيب في كتاب الجامع : فإن احتيج إليه في رواية الحديث قبل أن يعلوا سنه فيجب عليه أن يحدث ، ولا يمتنع ; لأن نشر العلم عند الحاجة إليه لازم ، والممتنع من ذلك عاص آثم . وقال ابن الصلاح : والذي نقوله أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ، ونشره في أي سن كان . وروينا عن أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل ، قال : الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث ; هو أن يستوفي الخمسين ; لأنها انتهاء الكهولة ، وفيها مجتمع الأشد . قال : "وليس بمستنكر أن يحدث عند استيفاء الأربعين ; لأنها حد الاستواء ، ومنتهى الكمال ، نبئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن أربعين ، وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته ويتوفر عقله ويجود رأيه" . وتعقبه القاضي عياض في كتاب الإلماع ، فقال : واستحسانه هذا لا تقوم له حجة بما قال ، وكم من السلف المتقدمين ، ومن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ، ولا استوفى هذا العمر ، ومات قبله ، وقد نشر من العلم ، والحديث ما لا يحصى . هذا عمر بن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين ، وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين [ ص: 20 ] .

وكذلك إبراهيم النخعي . وهذا مالك بن أنس قد جلس للناس ابن نيف وعشرين سنة ، وقيل : ابن سبع عشرة سنة ، والناس متوافرون ، وشيوخه أحياء : ربيعة وابن شهاب وابن هرمز ونافع ومحمد بن المنكدر ، وغيرهم . وقد سمع منه ابن شهاب حديث الفريعة . ثم قال : وكذلك محمد بن إدريس الشافعي قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين . انتهى كلام القاضي عياض . وقد روينا عن محمد بن بشار بندار ، أنه حدث وهو ابن ثماني عشرة سنة . وروينا عن أبي بكر الأعين ، قال : كتبنا عن محمد بن إسماعيل البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي ، وما في وجهه من شعرة . وروينا عن الخطيب قال : وقد حدثت أنا ولي عشرون [ ص: 21 ] سنة ، كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة . انتهى . وقد حدث شيخنا الحافظ أبو العباس أحمد بن مظفر ، وسنه ثماني عشرة سنة ، سمع منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، وحدث عنه في معجمه بحديث من الأفراد للدارقطني ، وقال عقبه : أملاه علي ابن مظفر ، وهو أمرد . وقد حدث شيخنا أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي وله عشرون سنة ، سمع منه شيخنا العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي أحاديث من فضائل القرآن ، لأبي عبيد .

قلت : وقد سمع مني صاحبنا العلامة أبو محمود محمد بن إبراهيم المقدسي ، ولي عشرون سنة ، سنة خمس وأربعين ، وقد سمع على شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير حديثا من أمالي ابن سمعون ، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة ، سنة أربع وخمسين بدمشق . وهذا ونحوه من رواية الأكابر عن الأصاغر . وقد حمل ابن الصلاح كلام ابن خلاد على محمل صحيح ، فقال : ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر ، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداء من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره . فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور ، فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده . قال : "وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك ، فالظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ، ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك ، أو لأنهم سئلوا ذلك ، إما بصريح السؤال ، وإما بقرينة الحال" انتهى كلامه .

وإليه الإشارة بقولي : (والشيخ بغير البارع خصص) أي : خصص كلام ابن خلاد بغير البارع في العلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث