الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن أصبحوا يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقالت البينة : إنه من رمضان [ لزمه ] قضاء صومه ، لأنه بان أنه من رمضان ، وهل يلزمهم إمساك بقية النهار ؟ فيه قولان : ( أحدهما ) لا يلزمهم ; لأنهم أفطروا بعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا أقام .

( والثاني ) يلزمهم ; لأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان . وقد بان أنه من رمضان فلزمهم الإمساك ، وإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة لما روى شقيق بن سلمة [ ص: 278 ] قال : " أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس " وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في آخر فإن كانا بلدين متقاربين - وجب على أهل البلدين الصوم ، وإن كانا متباعدين وجب على من رأى ولم يجب على من لم ير ; لما روى كريب قال : { قدمت الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة فقال عبد الله بن عباس : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت ليلة الجمعة فقال : أنت رأيت ؟ قلت : نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه ، قلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية ؟ قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم } ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث كريب رواه مسلم ، وحديث شقيق عن عمر رضي الله عنه رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ، ذكره البيهقي في موضعين من كتاب الصيام ثانيهما أواخر الكتاب في شهادة الاثنين على هلال شوال ، وقال في هذا الموضع : هذا أثر صحيح عن عمر رضي الله عنه ، وقوله ( بخانقين ) هو بخاء معجمة ونون ثم قاف مكسورتين وهي بلدة بالعراق قريبة من بغداد ، وكريب هذا هو بضم الكاف ، وهو مولى ابن عباس .

( أما الأحكام ) ففيه مسائل ( إحداها ) إذا ثبت كون يوم الثلاثين من شعبان فأصبحوا مفطرين ، فثبت في أثناء النهار كونه من رمضان وجب قضاؤه بلا خلاف وفي إمساك بقية النهار طريقان ( أحدهما ) فيه قولان ( أصحهما ) وجوبه ( والثاني ) لا يجب ، وذكر المصنف دليلهما ، وبهذا الطريق قطع المصنف وقليلون من العراقيين والخراسانيين ( والثاني ) يجب الإمساك قولا واحدا ، وهذا نصه في المختصر وبه قطع كثيرون أو الأكثرون من العراقيين والخراسانيين ، منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في المجرد وصاحب الحاوي والدارمي والمحاملي وآخرون من العراقيين والبغوي والسرخسي وآخرون من الخراسانيين .

قال المتولي : والخلاف في وجوب الإمساك إذا لم يكن أكل قبل ثبوت كونه من رمضان ، فإن كان أكل وقلنا : لا يجب الإمساك [ ص: 279 ] قبل الأكل فههنا أولى وإلا فوجهان ( أصحهما ) يجب لحرمة اليوم ، وإذا أوجبنا الإمساك فأمسك ، فهل هو صوم شرعي أم لا ؟ فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون ، واتفقوا على أن الصحيح أنه ليس بصوم شرعي . قال صاحب الحاوي : قال أبو إسحاق المروزي : يسمى صوما شرعيا ، قال : وقال أكثر أصحابنا : ليس هو بصوم شرعي وإنما هو إمساك شرعي ; لأنه لا يجزئه عن صوم رمضان ولا عن غيره بلا خلاف ، هكذا ذكر هؤلاء الوجهين في أنه صوم شرعي أم لا . ونسبوا القول بأنه صوم إلى أبي إسحاق . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : فيه وجهان ( أحدهما ) أنه إمساك شرعي يثاب عليه ( والثاني ) لا يثاب عليه . هكذا ذكرهما القاضي . وقال صاحب الشامل : يجب أن يقال في إمساكه ثواب . وإن لم يكن ثواب صوم . قال : وحكى الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق أنه إذا لم يكن أكل ثم أمسك يكون صائما من حين أمسك . قال صاحب الشامل : وهذا لا يجيء على أصل الشافعي لأنه واجب فلا يصح بنية النهار ، ولأنه لا يصح عن رمضان ولا نفل . قال : وينبغي أن يكون ما قاله أبو إسحاق أنه إمساك شرعي يثاب عليه ، هذا كلامه ، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه ( الصحيح ) أنه يثاب على إمساكه ولا يكون صوما ( والثاني ) يكون صوما ( والثالث ) لا يثاب عليه ، وهو الذي حكاه القاضي وهذان الوجهان فاسدان . والله أعلم .



( المسألة الثانية ) إذا رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة ، سواء رأوه قبل الزوال أو بعده ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه ، وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد وقال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف وعبد الملك بن حبيب المالكي : إن رأوه قبل الزوال فلليلة الماضية أو بعده فللمستقبلة ، سواء أول الشهر وأخره ، وقال : إن كان في أول الشهر ورأوه فللماضية ، وبعده للمستقبلة ، وإن رأوه في أخر رمضان بعد الزوال فللمستقبلة ، وقبله فيه روايتان عنه ( إحداهما ) للماضية ( والثانية ) للمستقبلة ، واحتج لمن فرق بين ما قبل الزوال وبعده بما رواه البيهقي بإسناده عن إبراهيم النخعي قال : " كتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد : [ ص: 280 ] إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا ، وإذا رأيتموه بعدما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تصوموا " . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف عن شقيق بن سلمة عن عمر رضي الله عنه وبما رواه البيهقي بإسناده الصحيح عن سالم بن عبد الله بن عمر " أن ناسا رأوا هلال الفطر نهارا فأتم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صيامه إلى الليل وقال : لا حتى يرى من حيث لا يرونه بالليل " وفي رواية قال ابن عمر : " لا يصح أن يفطروا حتى يروه ليلا من حيث يرى " وروينا في ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ، وأما ما احتجوا به من رواية إبراهيم النخعي فلا حجة فيه فإنه منقطع ; لأن إبراهيم لم يدرك عمر ولا قارب زمانه ، والله أعلم .



( المسألة الثالثة ) إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره ، فإن تقارب البلدان فحكمهما بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين ( أصحهما ) لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر ، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون ، وصححه العبدري والرافعي والأكثرون . ( والثاني ) يجب وبه قال الصيمري وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم ، وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين والصحيح الأول . وفيما يعتبر بعد البعد والقرب ثلاثة أوجه ( أصحها ) وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم أن التباعد يختلف باختلاف المطالع ، كالحجاز والعراق وخراسان ، والتقارب أن يختلف ، كبغداد والكوفة والري وقزوين ; لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء ، فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض ، بخلاف مختلفي المطلع .

( والثاني ) الاعتبار باتحاد الإقليم واختلافه ، فإن اتحد فمتقاربان وإلا فمتباعدان وبهذا قال الصيمري وآخرون .

( الثالث ) أن التباعد مسافة القصر ، والتقارب دونها ، وبهذا قال الفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، [ ص: 281 ] وادعى إمام الحرمين الاتفاق عليه ; لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين ، وقواعد الشرع تأبى ذلك . فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشرع بها كثيرا من الأحكام ، وهذا ضعيف ، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر . فالصحيح اعتبار المطالع كما سبق . فعلى هذا لو شك في اتفاق المطالع لم يلزم الذين لم يروا الصوم ، لأن الأصل عدم الوجوب ، ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث ، ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء ، لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية ، هذا الذي ذكرته هو المشهور للأصحاب في الطريقين ، وانفرد الماوردي والسرخسي بطريقين آخرين ، فقال الماوردي : إذا رأوه في بلد دون بلد فثلاثة أوجه : ( أحدها ) يلزم الذين لم يروا ، لأن فرض رمضان لا يختلف باختلاف البلاد وقد ثبت رمضان .

( والثاني ) لا يلزم لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم ، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر ، وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر ، ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله فكذلك الهلال .

( الثالث ) إن كانا من إقليم لزمهم ، وإلا فلا ، هذا كلام الماوردي . وقال السرخسي : إذا رآه أهل ناحية دون ناحية ، فإن قربت المسافة لزمهم كلهم ، وضابط القرب أن يكون الغالب أنه إذا أبصره هؤلاء لا يخفى عليهم إلا لعارض ، سواء في ذلك مسافة القصر أو غيرها ، قال : فإن بعدت المسافة فثلاثة أوجه ( أحدها ) يلزم الجميع ، واختاره أبو علي السنجي ( والثاني ) لا يلزمهم ( والثالث ) إن كانت المسافة بينهما بحيث لا يتصور أن يرى ولا يخفى على أولئك بلا عارض لزمهم ، وإن كانت بحيث يتصور أن يخفى عليهم فلا . فحصل في المسألة ستة وجوه : ( أحدها ) يلزم جميع أهل الأرض برؤيته في موضع منها ( والثاني ) يلزم أهل إقليم بلد الرؤية دون غيرهم ( والثالث ) يلزم كل بلد يوافق [ ص: 282 ] بلد الرؤيا في المطلع دون غيره ، وهذا أصحها .

( والرابع ) يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم وهو فيما حكاه السرخسي ( والخامس ) لا يلزم غير بلد الرؤية ، وهو فيما حكاه الماوردي ، والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم قد ذكرنا تفصيل مذهبنا ، ونقل ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهويه أنه لا يلزم غير أهل بلد الرؤية ، وعن الليث والشافعي وأحمد : يلزم الجميع ، قال : ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي ، يعني مالكا وأبا حنيفة .



( فرع ) لو شرع في الصوم ببلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول ، فاستكمل ثلاثين من حين صام " فإن قلنا " لكل بلد حكم نفسه فوجهان ( أصحهما ) يلزمه الصوم معهم ، لأنه صار منهم ( والثاني ) يفطر لأنه التزم حكم الأول . وإن قلنا : تعم الرؤية كل البلاد لزم أهل البلد الثاني موافقته في الفطر ، إن ثبت عندهم رؤية البلد الأول بقوله أو بغيره ، وعليهم قضاء اليوم الأول ، وإن لم يثبت عندهم لزمه هو الفطر ، كما لو رأى هلال شوال وحده ويفطر سرا . ولو سافر في بلد لم يروا فيه إلى بلد رئي فيه فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه - فإن عممنا الحكم أو قلنا : له حكم البلد الثاني - عيد معهم ، ولزمه قضاء يوم وإن لم نعمم الحكم وقلنا : له حكم البلد الأول لزمه الصوم . ولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيدا معهم . فسارت به سفينة إلى بلد في حد البعد . فصادف أهلها صائمين . قال الشيخ أبو محمد : يلزمه إمساك بقية يومه . إذا قلنا : لكل بلد حكم نفسه ، واستبعد إمام الحرمين والغزالي الحكاية .

قال الرافعي : وتتصور هذه المسألة في صورتين : [ ص: 283 ] إحداهما ) أن يكون ذلك اليوم يوم الثلاثين من صوم البلدين لكن المنتقل إليهم لم يروه ( والثانية ) أن يكون التاسع والعشرين للمنتقل إليهم لتأخر صومهم بيوم . قال : وإمساك بقية النهار في الصورتين إن لم يعمم الحكم كما ذكرنا وجواب الشيخ أبي محمد مبني على أن لكل بلد حكمه ، وأن للمنتقل حكم البلد المنتقل إليه ، وإن عممنا الحكم فأهل البلد الثاني إذا عرفوا في أثناء اليوم أنه عيد ، فهو شبيه بما سبق في باب صلاة العيد إذا شهدوا برؤية الهلال يوم الثلاثين . ولو أتى هذا السفر لعدلين - وقد رأيا الهلال بأنفسهما ، وشهدا في البلد الثاني - فهذه شهادة رؤية الهلال يوم الثلاثين ، فيجب الفطر في الصورة الأولى ، وأما الثانية فإن عممنا الحكم بجميع البلاد لم يبعد أن يكون كلامهما على التفصيل السابق في باب صلاة العيد ، فإن قبلنا شهادتهم قضوا يوما ، وإن لم نعمم الحكم لم يلتفت إلى قولهما . ولو كان عكسه بأن أصبح صائما فسارت به سفينة إلى قوم معيدين فإن عممنا الحكم أو قلنا : له حكم المنتقل إليه ، أفطر وإلا فلا ، وإذا أفطر قضى يوما إذا لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث