الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في الحبس ) .

قدمنا أنه مما يملكه القاضي على الممتنع عن إيفاء الحق وتعزيرا فكان من عمله فذكره فيه وهو في اللغة المنع ، وهو مصدر حبسه من باب ضرب ثم أطلق على الموضع وجمع على حبوس مثل فلس وفلوس كذا في المصباح ودليله الكتاب { أو ينفوا من الأرض } والمراد منه الحبس والسنة { حبسه عليه الصلاة والسلام رجلا بالتهمة } والإجماع عليه ، وكان في المسجد إلى زمن علي رضي الله عنه فبنى سجنا ، وهو أول من بناه في الإسلام وسماه نافعا ولم يكن حصينا لكونه من قصب فانفلت الناس منه فبنى آخر وسماه مخيسا ، وكان من مدر وفي ذلك يقول علي [ ص: 308 ]

ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا     بابا حصينا وأمينا كيسا

وفي رواية حصنا حصينا وفي رواية بدلت بدل بنيت وفي رواية بابا شديدا وفي رواية وأميرا بدل أمينا والمخيس بالخاء المعجمة والتاء المثناة الفوقية موضع التخييس بياءين وهو التذليل وروي بكسر الياء ; لأنه يذلل من وقع فيه .

والكيس حسن التأني في الأمور والكيس المنسوب إلى الكيس المعروف به وأمينا أراد ونصبت أمينا يعني السجان كقوله متقلدا سيفا ورمحا كذا في الفائق ، وصفة الحبس أن يكون في موضع ليس فيه فراش ولا وطاء ولا يمكن أحد يدخل عليه للاستئناس إلا أقاربه وجيرانه ولا يمكثون ولا يخرج لجمعة ولا جماعة ولا لحج فرض ولا لحضور جنازة ولو بكفيل وفي الخلاصة يخرج بكفيل لجنازة الوالدين والأجداد والجدات والأولاد وفي غيرهم لا يخرج وعليه الفتوى ا هـ .

وتعقبه في فتح القدير بأن محمدا ا نص على خلافه وقد يدفع بأن نص محمد في المديون أصالة ، والكلام في الكفيل ولا لمجيء رمضان والعيدين ليضجر قلبه ويوفي ولا لموت قريبه إلا إذا لم يوجد من يغسله ويكفنه فيخرج لقرابة الولاد ، وإن مرض مرضا أضناه فإن وجد من يخدمه لا يخرج ، وإلا أخرج بكفيل وإلا لا يطلقه وحضرة الخصم ليست شرطا ولا يخرج للمعالجة لإمكانها في السجن ولا يمنع من الجماع إن احتاج إليه فتدخل امرأته أو جاريته عليه إن كان فيه موضع سترة ، واختلفوا في منعه من الكسب ، والأصح المنع كذا في الخلاصة ولا يضرب المديون ولا يقيد ولا يغل ولا يجرد ولا يؤاجر ولا يقام بين يدي صاحب الحق إهانة وفي المنتقى إذا خاف فراره قيده كذا في البزازية ، وفيها إذا خيف أنه يفر من السجن يحول إلى سجن اللصوص وإذا جلس المحبوس في السجن متعنتا لا يوفي المال قال الإمام الأرسابندي يطين الباب ويترك له ثقبة يلقى منها الماء والخبز ، وقال القاضي : الرأي فيه إلى القاضي . ا هـ .

وفي الخانية إذا كان للمحبوس ديون على الناس فإن القاضي يخرجه ليخاصم ثم يحبس . ا هـ .

وصرحوا في كتاب الظهار أنه إذا امتنع من التكفير مع قدرته يضرب وصرحوا في كتاب النفقات أنه لو امتنع من الإنفاق على قريبه يضرب بخلاف سائر الديون ا هـ .

وعن أبي يوسف أن القاضي يؤجره لقضاء دينه وعليه حمل ما في الحديث من أنه باع حرا في دينه أي أجره وتعيين مكان الحبس للقاضي إلا إذا طلب المدعي مكانا آخر لما في القنية ادعى على بنته مالا ، وأمر القاضي بحبسها فطلب الأب منه أن يحبسها في موضع آخر غير السجن حتى لا يضيع عرضه يجيبه القاضي إلى ذلك ، وكذا في كل مدع مع المدعى عليه ا هـ .

وفي المحيط ، ويجعل للنساء سجن على حدة نفيا لوقوع الفتنة .

[ ص: 307 ]

التالي السابق


[ ص: 307 ] فصل في الحبس ) .

[ ص: 308 ] ( قوله والتاء المثناة الفوقية ) صوابه التحتية كما في القاموس والرملي على المنح ، وقد تبعه على ما هنا في النهر والمنح . ( قوله ولا وطاء ) قال في المصباح الوطاء وزان كتاب المهاد الوطيء ، وقد وطؤ الفراش بالضم فهو وطيء مثل قرب فهو قريب ا هـ .

وقال في مختار الصحاح والمهاد الفراش ، ومهد الفراش بسطه ووطأه وبابه قطع ، ( قوله وقد يدفع بأن نص محمد إلخ ) قال في النهر هذا سهو ، وذلك أنه نقل في الخلاصة يخرج بالكفيل فسقطت الباء في نسخته . ا هـ .

وذكر نحوه الرملي ثم قال والعجب أن البزازي وقع في ذلك فقال وذكر القاضي أن الكفيل يخرج لجنازة الوالدين إلخ ، والذي في فتاوى القاضي يخرج بالكفيل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث