الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1764 [ ص: 59 ] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

51 - كتاب الشعر

( 1 ) باب السنة في الشعر

1768 - مالك ، عن أبي بكر بن نافع ، عن أبيه نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى .

التالي السابق


40188 - قال أبو عمر : قد روي هذا الحديث عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك وهم ممن رواه وقد ذكرناه في " التمهيد " ، [ ص: 60 ] والصواب ما رواه يحيى وغيره في " الموطأ " عن مالك ، عن أبي بكر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

40189 - وأما الإحفاء ; فهو عند أهل اللغة الاستئصال بالحلق .

40190 - والإعفاء عندهم ترك الشعر لا يحلقه .

40191 - وقد اختلف العلماء في حلق الشارب ، فكان مالك يقول : السنة قص الشارب ، وهو أخذ الشعر من الإطار ، وهو طرف الشفة العليا .

40192 - وأصل الإطار في اللغة جوانب الفم المحدقة به ، وكل شيء يحدق بالشيء ويحيط به ، فهو إطار له .

40193 - والحجة لمالك ، فيما ذهب إليه من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس من الفطرة " فذكر منها قص الشارب ، وقد تقدم في بابه من هذا الكتاب .

40194 - ومن الحجة له أيضا حديث زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من لم يأخذ من شاربه شيئا ، فليس منا " .

[ ص: 61 ] 40195 - وحديث عبد الله بن بسر ، قال : كان شارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيال شفته .

40196 - وحديث المغيرة بن شعبة ، قال : ضفت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ذات ليلة ، فأمر لي بجنب فشوي ، وأخذ من شاربي على سواك .

40197 - وهذا كله لا يكون معه حلق ولا استئصال ، وقد ذكرت هذه الأحاديث بأسانيدها في باب أبي بكر بن نافع من " التمهيد " ، وقد ذكرناها في باب سعيد بن أبي سعيد أيضا .

40198 - وقال مالك في " الموطأ " : يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة ، وهو الإطار ، فلا يجزه ولا يمثل بنفسه .

40199 - وقال ابن القاسم عنه : إحفاء الشارب عندي مثلة ، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه ، ويقول : تفسير حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إحفاء الشارب ; إنما هو الإطار .

40200 - وقال ابن عبد الحكم عنه : ليس إحفاء الشارب حلقه ، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه .

[ ص: 62 ] 40201 - وقال أشهب ، عن مالك ، في حلق الشارب : هذه بدع ، وأرى أن يوجع ضربا من فعله .

40202 - وقال مالك : كان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر ، نفخ وفتل شاربه .

40203 - وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه قال : السنة في الشارب الإطار .

40204 - واحتج بعض أصحابنا المتأخرين ; بأن الشارب لا يقع إلا على ما يباشر به شرب الماء من الشفة ، وهو الإطار ، فذلك الذي يحفى .

40205 - وذكر ابن وهب ، عن الليث ، قال : لا أحب لأحد أن يحلق شاربه ، ولكن يقصره على طرف الشارب ، وأكره أن يكون طويل الشاربين .

40206 - وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما : إحفاء الشارب وحلقه واستئصاله أفضل من تقصيره ، ومن قصه .

40207 - وقال أبو بكر الأثرم : رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه إحفاء شديدا ، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب ، فقال : يحفى كما قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " احفوا الشارب " .

40208 - قال أبو عمر : حجة من ذهب إلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - : " احفوا الشارب " ، والشارب معروف ، وهو ما عليه الشعر من الشفة العليا تحت الأنف .

40209 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني محمد بن القاسم ، قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثني هارون [ ص: 63 ] بن عبد الله ، قال : حدثني معن بن عيسى ، وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع ، قالوا حدثنا مالك ، عن أبي بكر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى .

40210 - وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبدة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " .

40211 - قال أبو عمر : من حجتهم أيضا حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " جزوا الشوارب ، واتركوا اللحى " .

40212 - وروى عكرمة عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجز شاربه .

40213 - وهذا قد خولف فيه راويه ; فقيل فيه يقص شاربه .

40214 - حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني يحيى بن آدم ، قال : حدثني حسين بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : [ ص: 64 ] كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص من شاربه ، وكان إبراهيم خليل الله - عليه السلام - يقص من شاربه .

40215 - قالوا : وأما ما روي عن عمر ، أنه كان ربما فتل شاربه إذا اهتم ، فهذا لا حجة فيه ; لأنه لابد للمرء أن يترك شاربه حتى يكون فيه الشعر ثم يحلقه بعد .

40216 - ورووا عن عبد الله بن عمر ، أنه كان يحفي شاربه حتى كأنه ينتفه .

40217 - وقال بعضهم ، في حديث ابن عمر : حتى يرى بياض الجلد .

40218 - وعن أبي هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي أسيد الساعدي ، ورافع بن خديج ، وسهل بن سعد ، أنهم كانوا يحفون شواربهم .

40219 - وأما قوله : " وأعفوا اللحى " فقال : أبو عبيد : يعني وفروا اللحى لتكثر ، ويقال فيه : عفا الشعر إذا كثر ، وقد عفوت الشعر ، وعفيته لغتان .

40220 - وقال ابن الأنباري وغيره ، عفا القوم إذا كثروا ، وعفوا إذا قلوا ، وهو من الأضداد .

40221 - ويقال : عفوته أعفوه ، وعفيته ، أعفيه .

40222 - قال أبو عمر : روى أصبغ ، عن ابن القاسم ، قال : سمعت مالكا [ ص: 65 ] يقول : لا بأس أن يأخذ ما تطاير من اللحية ، وشذ .

40223 - وقال : فقيل لمالك : فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول ، قال : أرى أن يؤخذ منها وتقصر .

40224 - وقد ذكر أبو عيسى الترمذي في " المصنف " قال : حدثني هناد بن السري ، قال : حدثني عمرو بن هارون ، عن أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ من لحيته ، من عرضها وطولها .

40225 - وأخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثني سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، أنه كان يكره أن يشرب بنفس واحد ، وكان يأمرنا أن نأخذ من باطن اللحية .

40226 - وروى سفيان ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة .

40227 - وعن عطاء وقتادة مثله سواء .

40228 - وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا قصر من لحيته في حج أو عمرة ، يقبض عليها ، ويأخذ من طرفها ما خرج من القبضة .

[ ص: 66 ] 40229 - وكان قتادة يفعله .

40230 - وكان محمد بن كعب القرظي يرى للحاج أن يأخذ من الشارب واللحية .

40231 - وكان قتادة يأخذ من عارضيه .

40232 - وكان الحسن يأخذ من لحيته .

40233 - وكان ابن سيرين لا يرى بذلك بأسا .

40234 - وروى سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يأخذون من جوانب اللحية .

40235 - قال أبو عمر : قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية ، وهو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بإحفاء الشوارب ، وإعفاء اللحى ، وهو أعلم بما روى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث