الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كل يوم هو في شأن

كل يوم هو في شأن .

يجوز أن تكون الجملة حالا من ضمير النصب في يسأله أو تذييلا لجملة يسأله من في السماوات والأرض ، أي كل يوم هو في شأن من الشئون [ ص: 255 ] للسائلين وغيرهم فهو تعالى يبرم شئونا مختلفة من أحوال الموجودات دواما ، ويكون ( كل يوم ) ظرفا متعلقا بالاستقرار في قوله هو في شأن ، وقدم على ما فيه متعلقه للاهتمام بإفادة تكرر ذلك ودوامه . والمعنى : في شأن من شئون من في السماوات والأرض من استجابة سؤل ، ومن زيادة ، ومن حرمان ، ومن تأخير الاستجابة ، ومن تعويض عن المؤول بثواب ، كما ورد في أحاديث الدعاء أن استجابته تكون مختلفة ، وتقدم عند قوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم .

ومعنى ( في ) على هذا التفسير تقوية ثبوت الشئون لله تعالى وهي شئون تصرفه ومظاهر قدرته ، كما قال الحسين بن الفضل النيسابوري : شئون يبديها لا شئون يبتديها .

و ( يوم ) مستعمل مجازا في الوقت بعلاقة الإطلاق ، إذ المعنى : كل وقت من الأوقات ولو لحظة ، وليس المراد باليوم الوقت الخاص الذي يمتد من الفجر إلى الغروب .

وإطلاق اليوم ونحوه على مطلق الزمان كثير في كلام العرب كقولهم : الدهر يومان يوم نعم ويوم بؤس ، وقال عمرو بن كلثوم :

وإن غدا وإن اليوم رهن وبعد غد لما لا تعلمين



أراد الزمان المستقبل والحاضر والمستقبل البعيد وإلا فأي فرق بين غد وبعد غد .

والشأن : الشيء العظيم والحدث المهم من مخلوقات وأعمال من السماوات والأرض ، وفي الحديث أنه تعالى كل يوم يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع أقواما ويضع آخرين ، وهو تعالى يأمر وينهى ويحيي ويميت ويعطي ويمنع ونحو ذلك وإذا كان في تصرفه كل شأن فما هو أقل من الشأن أولى بكونه من تصرفه .

والظرفية المستعملة في حرف في ظرفية مجازية مستعارة لشدة التلبس [ ص: 256 ] والتعلق بتصرفات الله تعالى بمنزلة إحاطة الظرف بالمظروف أو بأسئلة المخلوقات الذين في السماء والأرض .

والمعنى : أنه تعالى كل يوم تتعلق قدرته بأمور يبرزها ويتعلق أمره التكويني بأمور من إيجاد أو إعدام .

ومن أحاسن الكلم في تفسير هذه الآية قول الحسين بن الفضل لما سأله عبد الله بن طاهر قائلا : قد أشكل علي قوله هذا : وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة . فقال : إنها شئون يبديها لا شئون يبتديها وقد أجمل الحسين بن الفضل الجواب بما يقنع أمثال عبد الله بن طاهر ، وإن كان الإشكال غير وارد إذ ليس في الآية أن الشئون تخالف ما سطره قلم العلم الإلهي ، على أن هذا الجواب لا يجري إلا على أحد الوجوه في تفسير قوله كل يوم هو في شأن كما علمت آنفا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث