الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          ثم يرفع رأسه قائلا : سمع الله لمن حمده ويرفع يديه . فإذا قام قال : ربنا ولك الحمد ، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، فإن كان مأموما لم يزد على : ربنا ولك الحمد إلا عند أبي الخطاب ،

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          ( ثم يرفع رأسه قائلا : سمع الله ) إن كان إماما أو منفردا ، لأنه عليه [ ص: 449 ] السلام كان يقول ذلك ، وروى الدارقطني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبريدة : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد وظاهره أن ترتيب هذا الذكر واجب ، فلو قال : من حمد الله سمع له لم يجزئه لتغير المعنى ، فإن الأول صيغة تصلح للدعاء ، معنى سمع أجاب ، والثاني صيغة شرط وجزاء ، فافترقا ، أشبه ما لو نكس التكبير ( ويرفع يديه ) لحديث ابن عمر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع ، رفعهما متفق عليه . فيرفعهما مع رفع رأسه في رواية لما تقدم ، وعنه : بعد اعتداله ، نقل أحمد بن الحسين أنه رأى أحمد يفعله ، وقيل : يرفعهما المأموم مع رأسه رواية واحدة ، لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال ، والرفع إنما جعل هيئة للذكر ، وكذا المنفرد ، إن قلنا : لا يقول بعد الرفع شيئا ( فإذا قام ) أي : اعتدل قائما ( قال : ربنا ولك الحمد ) هذا مشروع في حق كل مصل في قول أكثر أهل العلم ، لما روى أبو هريرة قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد متفق عليه ، ويخير بين إثبات الواو وحذفها ، وبها أفضل ، نص عليه ، وهو الأصح للاتفاق عليه من رواية ابن عمر ، وأنس ، وأبي هريرة ، ويكون أكثر حروفا ، ويتضمن الحمد مقدرا أو مظهرا ، فإن التقدير ربنا حمدناك ، ولك الحمد ، لأن الواو لما كانت للعطف ، ولا شيء ها هنا يعطف عليه ظاهرا ، دل أن في الكلام مقدرا ، وهو قول اللهم ربنا ولك الحمد ، وبلا ( واو ) أفضل ، نص عليه ، لأنه متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وأكثر فعله عليه السلام : اللهم ربنا لك الحمد ، وعنه : يقول : ربنا ولك الحمد ، ولا يتخير ، قال في " المغني " و " الشرح " : وكيفما قال جاز ، وكان حسنا ، لأن السنة وردت به .

                                                                                                                          [ ص: 450 ] فرع : إذا عطس حال رفعه ، فحمد الله لهما لا يجزئه ، نص عليه ، لأنه لم يخلصه للرفع ، وصحح المؤلف الإجزاء كما لو قاله ذاهلا ، وإن نوى أحدهما تعين ، ولم يجزئه عن الآخر .

                                                                                                                          ( ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ) أي : حمدا لو كان أجساما لملأ ذلك ، ولمسلم ، وغيره : وملء ما بينهما والأول أشهر في الأخبار ، واقتصر عليه الإمام ، والأصحاب ، لما روى ابن أبي أوفى قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من الركوع ، قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد ملء السماء ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد رواه أحمد ، ومسلم ، والمعروف في الأخبار ( السماوات ) لما روى علي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع قال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد رواه أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، وصححه ، وفي " المحرر " و " الوجيز " كـ " المقنع " ، وهذا في حق الإمام والمنفرد كسائر الأذكار ، وهو اختيار الأصحاب ، إذ الأصل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما وقد عضده قوله عليه السلام : صلوا كما رأيتموني أصلي وعنه : يقتصر المنفرد على التسميع والتحميد فقط حطا له عن رتبة الإمام ، ورفعا له عن رتبة المأموم ، لأنه أكمل منه لعدم تبعيته ، وعنه : يسمع فقط ، وعنه : عكسه ، وظاهره أنه لا تستحب الزيادة على ذلك في رواية ، وخصها في " المغني " و " الشرح " بالفريضة ، وكلام أحمد عام ، ونقل عنه أبو الحارث : إن شاء قال : أهل الثناء والمجد ، قال أحمد : وأنا أقوله ، فظاهره يستحب ، واختاره أبو حفص ، وصححه في " المغني " و " الشرح " .

                                                                                                                          [ ص: 451 ] ( فإن كان مأموما لم يزد على : ربنا ولك الحمد ) في ظاهر المذهب ، لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد متفق عليه ، واقتصاره على أمرهم بذلك يدل على أنه لا يشرع في حقهم سواه ، ويأتي به حين يرفع ، لأنه يأخذ في الرفع عقيب تسميع الإمام فيحمد حينئذ ، وأما الإمام والمنفرد فيقولان ذلك بعد الاعتدال من الركوع ، لأنهما في حال الرفع يشرعان في التسميع ( إلا عند أبي الخطاب ) فإنه يزيد على ذلك : ملء السماء إلى آخره ، وهو رواية نقلها الأثرم ، واختارها صاحب " النصيحة " ، والشيخ تقي الدين ، لأنه ذكر مشروع في الصلاة ، أشبه بقية الأذكار ، وظاهره اختصاص الزيادة عنده بما بعد التحميد ، وفي " المغني " لا أعلم خلافا أن المؤتم لا يسمع ، لأنه أمر بالتحميد عقيب تسميع إمامه ، وعنه : ويسمع ، وحكاه في " المحرر " قولا كالإمام ، والمنفرد ، ولأنه ذكر مشروع لهما ، فشرع للمأموم كسائر الأذكار ، وجوابنا بأن حديثنا خاص بالمأموم ، وحديث بريدة عام ، وتقديم الصحيح الخاص أولى ، مع أن إسناد حديث بريدة فيه جابر الجعفي ، وعمرو بن شمر ، وهما ضعيفان عند أكثر المحدثين .

                                                                                                                          مسألة : لم يتعرض المؤلف لهيئة اليدين بعد الرفع ، والمنصوص عنه : إن شاء أرسلهما ، وإن شاء وضع يمينه على شماله ، وفي المذهب ، و " التلخيص " يرسلهما .




                                                                                                                          الخدمات العلمية