الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإقالة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 486 ] ( باب الإقالة ) .

( الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول ) لقوله عليه الصلاة والسلام { من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة } ; ولأن العقد حقهما فيملكان رفعه دفعا لحاجتهما ( فإن شرطا أكثر منه أو أقل فالشرط باطل [ ص: 487 ] ويرد مثل الثمن الأول ) .

والأصل أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق غيرهما إلا أن لا يمكن جعله فسخا فتبطل ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف رحمه الله هو بيع إلا أن لا يمكن جعله بيعا فيجعل فسخا إلا أن لا يمكن فتبطل . وعند محمد رحمه الله هو فسخ إلا إذا تعذر جعله فسخا فيجعل بيعا إلا أن لا يمكن فتبطل .

[ ص: 488 ] لمحمد رحمه الله أن اللفظ للفسخ والرفع . ومنه يقال : أقلني عثراتي فتوفر عليه قضيته . وإذا تعذر يحمل على محتمله وهو البيع ; ألا ترى أنه بيع في حق الثالث : ولأبي يوسف رحمه الله أنه مبادلة المال بالمال بالتراضي . وهذا هو حد البيع ولهذا يبطل بهلاك السلعة ويرد بالعيب وتثبت به الشفعة وهذه أحكام البيع . ولأبي حنيفة رحمه الله أن اللفظ ينبئ عن الرفع والفسخ كما قلنا ، والأصل إعمال الألفاظ في مقتضياتها الحقيقية [ ص: 489 ] ولا يحتمل ابتداء العقد ليحمل عليه عند تعذره ; لأنه ضده واللفظ لا يحتمل ضده فتعين البطلان ، وكونه بيعا في حق الثالث أمر ضروري ; لأنه يثبت به مثل حكم البيع وهو الملك لا مقتضى الصيغة ، إذ لا ولاية لهما على غيرهما ، إذا ثبت هذا نقول : إذا شرط الأكثر فالإقالة على الثمن الأول [ ص: 490 ] لتعذر الفسخ على الزيادة ، إذ رفع ما لم يكن ثابتا محال فيبطل الشرط ; لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة ، بخلاف البيع ; لأن الزيادة يمكن إثباتها في العقد فيتحقق الربا أو لا يمكن إثباتها في الرفع ، وكذا إذا شرط الأقل لما بيناه إلا أن يحدث في المبيع عيب فحينئذ جازت الإقالة بالأقل ; لأن الحط يجعل بإزاء ما فات بالعيب ، وعندهما في شرط الزيادة يكون بيعا ; لأن الأصل هو البيع عند أبي يوسف رحمه الله ، وعند محمد رحمه الله جعله بيعا ممكن فإذا زاد كان قاصدا بهذا ابتداء البيع ، وكذا في شرط الأقل عند أبي يوسف رحمه الله ; لأنه هو الأصل عنده ، وعند محمد رحمه الله هو فسخ بالثمن الأول لا سكوت عن بعض الثمن الأول ، ولو سكت عن الكل وأقال يكون فسخا فهذا أولى ، بخلاف ما إذا زاد ، وإذا دخله عيب فهو فسخ بالأقل لما بيناه .

التالي السابق


( باب الإقالة )

مناسبته الخاصة بالبيع الفاسد والمكروه أنه إذا وقع البيع فاسدا أو مكروها وجب على كل من المتعاقدين الرجوع إلى ما كان له من رأس المال صونا لهما عن المحظور ، ولا يكون ذلك إلا بالإقالة إلى آخر ما ذكر في النهاية وتبعه غيره ، وهو مصرح بوجوب التفاسخ في العقود المكروهة السابقة ، وهو حق لأن رفع المعصية واجب بقدر الإمكان .

وأيضا الإقالة بيان كيف يرفع العقد وهو يستدعي سابقة ثبوته وأبواب البياعات السابقة كلها مع البيع الفاسد والمكروه بيان كيف يثبت فأعقب الرفع معظم أبواب الإثبات . ثم قيل : الإقالة من القول ، والهمزة للسلب ، فأقال بمعنى أزال القول : أي القول الأول وهو البيع كأشكاه أزال شكايته ودفع بأنهم قالوا قلته بالكسر فهو يدل على أن عينه ياء لا واو فليس من القول ; ولأنه ذكر الإقالة في الصحاح من القاف مع الياء لا مع الواو ، وأيضا ذكر في مجموع اللغة : قال البيع قيلا وإقالة فسخه ( قوله الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول ) عليه إجماع المسلمين ( لقوله صلى الله عليه وسلم { من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة } ) أخرجه أبو داود وابن ماجه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته } زاد ابن ماجه { يوم القيامة } .

ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال على شرط الشيخين . وأما لفظ نادما فعند البيهقي . قال المصنف ( ولأن العقد حقهما فيملكان رفعه دفعا لحاجتهما ) التي لها شرع البيع وغيره .

ولا يخفى أن النص المذكور والمعنى إنما يفيد مجرد جواز الإقالة ، وأما [ ص: 487 ] لزوم كونه على الثمن الأول بعينه فلوجه يفيده المعنى الذي مهده بقوله ( والأصل ) أي الأصل في لزوم الثمن الأول حتى يبطل الأقل والأكثر ( أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين ) وحقيقة الفسخ ليس إلا رفع الأول كأن لم يكن فيثبت الحال الأول ، وثبوت الحال الأول هو برجوع عين الثمن الأول إلى مالكه كأن لم يدخل في الوجود غيره وهو يستلزم تعيين الأول ونفي غيره من الزيادة والنقص وخلاف الجنس والأجل ، نعم لما لم يكن فعلهما ينفذ على غيرهما جعل بالنسبة إلى غيرهما بيعا فيعطى بالنسبة إلى غيرهما حكم البيع كما سنذكره .

( فإن لم يمكن جعله فسخا ) كأن ولدت المبيعة بعد القبض ، وكما إذا كان المبيع عرضا بالدراهم فهلك ( تبطل ، هذا قول أبي حنيفة رحمه الله . وعند أبي يوسف هي بيع إلا أن لا يمكن جعله بيعا ) بأن وقعت الإقالة قبل القبض في مبيع منقول فتجعل فسخا .

فإن تعذر كونها بيعا وفسخا كما لو كان المبيع عرضا بالدراهم فتقايلا بعد هلاك العرض فحينئذ تبطل ، وعند محمد قلب قول أبي يوسف فهي فسخ إلا أن يتعذر فبيع إلا إن تعذر فتبطل ; والعجب أن قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة رحمه الله في أن الإقالة تصح بلفظين أحدهما مستقبل ، كما لو قال أقلني فقال أقلتك مع أنها بيع عنده والبيع لا ينعقد بذلك على ما سلف .

ومحمد يقول إنها فسخ ويقول : لا تنعقد إلا بالمضي فيهما ; لأنها كالبيع فأعطي بسبب الشبه حكم البيع ، وأبو يوسف مع حقيقة البيع لم يعط حكمه ; لأن المساومة لا تجري في الإقالة ، فحمل اللفظ على التحقيق بخلاف البيع ، هكذا في شرح القدوري ، وذكر في الدراية ، والذي في فتاوى قاضي خان أن قول أبي حنيفة كقول محمد .

وفي الخلاصة اختاروا قول محمد ، ولا يتعين مادة قاف لام بل لو قال تركت البيع وقال الآخر رضيت أو اخترت تمت ، ويجوز قبول الإقالة دلالة بالفعل ، كما إذا قطعه قميصا في فور قول [ ص: 488 ] المشتري أقلتك وتنعقد بفاسختك وتاركت ، وجه قول محمد ( أن اللفظ ) أي لفظ الإقالة وضع ( للفسخ والرفع ) بدليل الاستعمال فإنه ( يقال : أقلني عثرتي ) بمعنى أسقط أثرها باعتبارها عدما بعد وجودها ، وهو المراد بالفسخ إذ حقيقته رفع الواقع عن أن يكون واقعا غير ممكن بعد الدخول في الوجود ( فيوفر عليه قضيته ، وإذا تعذر ) الفسخ ( يحمل على محتمله وهو البيع ، ولأبي يوسف أنه مبادلة المال بالمال بالتراضي ، وهذا هو حد البيع ) وخصوص اللفظ لا عبرة به ، غاية الأمر أنه لم يسم فيه الثمن لأنه معلوم كما في التولية وأخذ الدار بالشفعة ( ولهذا تبطل ) الإقالة ( بهلاك المبيع ) بعد الإقالة قبل الرد ، ووجب للذي كان بائعا الرد بالعيب الحادث عند المشتري .

( وهذه أحكام البيع ) فإذا ترتبت على شيء كان بيعا ، غير أنه إذا تعذر جعله بيعا كما إذا وقعت في منقول قبل قبضه صرنا إلى مجازه بجعله فسخا تصحيحا لكلام العاقل ما أمكن ، وكونه لا يبتدأ عقد البيع بإنشائه به ممنوع على قول بعض المشايخ ، فإنه يقول : يجوز أن يعقد البيع ابتداء بلفظ الإقالة ، وانتفاؤه في الصحيح لعدم تقدم البيع ، وهذا بيع هو فرع بيع سابق فلا يتصور بدون سبقه ( ولأبي حنيفة رحمه الله أن اللفظ ينبئ عن الرفع ) على ما قلنا لمحمد رحمه الله ( والأصل إعمال الألفاظ في مقتضياتها الحقيقية ) وكونه يثبت به لوازم البيع من الرد بالعيب والهلاك بالنسبة إلى ثالث لا يستلزم كونه من حقيقته ، إذ اللوازم قد تكون عامة تترتب على حقيقتين مختلفتين فلا تكون الإقالة بيعا لذلك ، فإن قيل : فتكون بيعا لثبوت حقيقة معنى البيع فيها وهو مبادلة المال بالمال [ ص: 489 ] بالتراضي لا لثبوت اللوازم الخارجية ، قلنا : إنما نريد بالبيع ما كان مفيدا لهذه المبادلة ابتداء لا تراجعا بطريق الرفع حكما على الشرع بذلك : أي بأنه وضع بهذا الاعتبار وإلا رجع إلى مجرد الاصطلاح ، على أن مسمى لفظ البيع هو المبادلة مطلقا شرعا أو بقيد أن لا يكون تراجعا ، والأحكام الشرعية لا تختلف باختلاف الاصطلاح في الألفاظ ، بقي أمر آخر هو أنها لم تستعمل في البيع مجازا عند تعذر الفسخ كما قال محمد أجاب عنه بقوله ( ولا يحتمل ابتداء البيع ليحمل عليه عند تعذر الفسخ ; لأنه ) أي الرفع الذي هو المعنى الحقيقي ( ضده ) أي ضد العقد أو نقيضه فلا يصح استعماله فيه .

وهذا طريق الفقهاء لأن الاستعمال في الضد إنما يكون لتهكم أو تمليح وليس ذلك في الفقه أو يكون لمشاكلته للفظ وقع في صحبته ك جزاء سيئة سيئة ، وليس هنا ذلك ( فتعين البطلان ، وكونه بيعا في حق ثالث ) ليس باعتبار جعلنا إياه مجازا عنه ، ولكن ( لأمر ضروري ) وهو أنه لما ثبت ( به مثل حكم البيع وهو الملك ) ببدل ظهر في حق غيرهما ، إذ لا ولاية لهما على غيرهما ليصرفا موجب البيع عنه فيقتصر عليهما ويظهر بيعا في حق غيرهما ، ولئلا يفوت مقصود الشارع في بعض الصور كالشفعة شرعت لدفع ضرر الجوار أو الخلطة ، فإذا فرض ثبوت ذلك في عودها إلى البائع ولم يثبت حق الشفعة تخلف مقصوده ( قوله إذا ثبت هذا ) أي هذا الخلاف في هذا الأصل ( فنقول تفريعا عليه ) إذا شرطا ( في الإقالة ) الأكثر ( كأن تقايلا على مائة ) والبيع بخمسين ( فالإقالة على الثمن الأول ) عند أبي حنيفة ويبطل شرط الزيادة [ ص: 490 ] لأن الإقالة لا تبطل بالشروط الفاسدة ) وإنما بطل ; لأن الإقالة رفع ما كان لا رفع ما لم يكن .

( لأن رفع ما لم يكن ثابتا محال ) ولم يكن الثابت العقد بذلك القدر فلا يتصور رفعه على مائة ، توضيحه أن رفعه على مائة ترجع إلى المشتري والحال أنه لم يكن في الوجود العقد بمائة رفع ما لم يكن له وجود فلا رفع أصلا إلا أن أصل العقد له وجود ، وإياه عنيا بالإقالة ، غير أنهما زاداه شرطا فاسدا فيثبت الرفع برفعهما ويبطل الشرط الفاسد الذي زاداه ( بخلاف البيع ; لأن الزيادة يمكن إثباتها فيه ويتحقق به الربا ) ويصير بيعا فاسدا فلا يتصور إثباتها في الرفع ( وكذا إذا شرط الأقل ) عنده يصح بقدر الثمن الأول ( لما بينا ) أنه شرط فاسد فيبطل هو ويثبت قدر الأول ( إلا أن ) يكون ( حدث بالمبيع عيب ) فيصح بالنقصان جعلا للحط بإزاء ما فات بالعيب ( وعندهما في شرط الزيادة يكون بيعا ; لأن الأصل هو البيع عند أبي يوسف ) وعند محمد تعذر الفسخ على الزيادة فجعل بيعا ، وكذا في شرط الأقل عند أبي يوسف يصح به ; لأنه بيع .

( وعند محمد هو فسخ بالثمن الأول ) باعتباره مريدا للأول لكنه سكت عن بعضه ( ولو سكت عن الكل ) بأن قال أقلتك ( يكون فسخا ) عليه ، فإذا سكت عن بعضه ( أولى ) ، بخلاف ما إذا زاد ، ولو دخله عيب فهو فسخ بالأقل ( لما بينا ) من جعل الحط بإزاء ما نقص من العيب [ ص: 491 ]

[ فرع ] باع صابونا رطبا ثم تقايلا بعدما جف فنقص وزنه لا يجب على المشتري شيء ; لأن كل البيع باق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث