الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جماع الحائض في الفرج

فأما جماع الحائض في الفرج حرام بالنص يكفر مستحله ويفسق مباشره لقوله تعالى { فاعتزلوا النساء في المحيض } وفي قوله تعالى { ولا [ ص: 159 ] تقربوهن حتى يطهرن } دليل على أن الحرمة تمتد إلى الطهر وقال صلى الله عليه وسلم { : من أتى امرأة في غير مأتاها أو أتاها في حالة الحيض أو أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم } ولكن لا يلزمه بالوطء سوى التوبة والاستغفار ومن العلماء من يقول : إن وطئها في أول الحيض فعليه أن يتصدق بدينار وإن وطئها في آخر الحيض فعليه أن يتصدق بنصف دينار وروى فيه حديثا شاذا ولكن الكفارة لا تثبت بمثله .

( وحجتنا ) في ذلك ما روي أن رجلا جاء إلى الصديق رضي الله عنه وقال : إني رأيت في المنام كأني أبول دما فقال : أتصدقني قال : نعم قال : إنك تأتي امرأتك في حالة الحيض فاعترف بذلك فقال أبو بكر رضي الله عنه : استغفر الله ولا تعد ولم يلزمه الكفارة واختلفوا فيما سوى الجماع فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : له أن يستمتع بما فوق المئزر وليس له ما تحته وقال محمد رحمه الله تعالى : يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وذكر الطحطاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة رحمهم الله تعالى وذكره الكرخي مع محمد رحمهما الله تعالى وجه الاستدلال بقوله تعالى { قل هو أذى } ففيه بيان أن الحرمة لمعنى استعمال الأذى وذلك في محل مخصوص وروي في الكتاب عن الصلت بن دينار عن معاوية بن قرة رضي الله عنهم قال سألت عائشة رضي الله عنها ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض قالت : يتجنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت : يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح يعني الجماع والمعنى فيه أن ملك الحل باق في زمان الحيض وحرمة الفعل لمعنى استعمال الأذى فكل فعل لا يكون فيه استعمال الأذى فهو حلال مطلق كما كان قبل الحيض وقاسه بالاستمتاع فوق المئزر وحجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى { فاعتزلوا النساء في المحيض } فظاهره يقتضي تحريم الاستمتاع بكل عضو منها فما اتفق عليه الآثار صار مخصوصا من هذا الظاهر وبقي ما سواه على الظاهر .

وروي { أن وفدا سألوا عمر رضي الله عنه عما يحل للرجل من امرأته الحائض وعن قراءة القرآن في البيوت وعن الاغتسال من الجنابة فقال : أسحرة أنتم لقد سألتموني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : للرجل من امرأته ما فوق المئزر وليس له ما تحته وقراءة القرآن نور فنور بيتك ما استطعت وذكر الاغتسال من الجنابة } وفي حديث { أم سلمة رضي الله عنها قال : كنت في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضت فانسللت من الفراش فقال مالك [ ص: 160 ] أنفست قلت : نعم قال : ائتزري وعودي إلى مضجعك ففعلت فعانقني طول الليل } والمعنى فيه أن الاستمتاع في موضع الفرج محرم عليه وإذا قرب من ذلك الموضع فلا يأمن على نفسه أن يواقع الحرام فليجتنب من ذلك بالاكتفاء بما فوق المئزر وكان هذا نوع احتياط ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم { ألا إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه } ومحمد أخذ بالقياس وقال : ليس المراد بالاتزار حقيقة الاتزار بل المراد موضع الكرسف في ذلك الموضع وبين التابعين اختلاف في معنى قوله عليه الصلاة والسلام ما فوق المئزر فكان إبراهيم رحمه الله تعالى يقول : المراد به الاستمتاع بالسرة وما فوقها وكان الحسن رحمه الله تعالى يقول المراد : أن يتدفأ بالإزار ويقضي حاجته منها فيما دون الفرج فوق الإزار ولا ينبغي له أن يعتزل فراشها لأن ذلك تشبه باليهود وقد نهينا عن التشبه بهم وروي { أن ابن عباس رضي الله عنهما فعل ذلك فبلغ ميمونة رضي الله عنها فأنكرت عليه وقالت : أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضاجعنا في فراش واحد في حالة الحيض }

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث