الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب فيما ينتقض به عهد الذمي وما لا ينتقض

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 212 ] ( وينتقض عهدهم بالغلبة على موضع للحرب أو باللحاق بدار الحرب ) زاد في الفتح أو بالامتناع عن قبول الجزية ( أو يجعل نفسه طليعة للمشركين ) بأن يبعث ليطلع على أخبار العدو . فلو لم يبعثوه لذلك لم ينتقض عهده وعليه يحمل كلام المحيط ( وصار ) الذمي في هذه الأربع صور ( كالمرتد ) في كل أحكامه ( إلا أنه ) لو أسر ( يسترق ) والمرتد يقتل ( ولا يجبر على قبول الذمة ) والمرتد يجبر على الإسلام ( لا ) ينتقض عهده ( بقوله نقضت العهد ) زيلعي ( بخلاف الأمان ) للحربي ، فإنه ينتقض بالقول بحر ( ولا بالإباء عن ) أداء ( الجزية ) [ ص: 213 ] بل عن قبولها كما مر ونقل العيني عن الواقعات قتله بالإباء عن الأداء قال وهو قول الثلاثة لكن ضعفه في البحر ( و ) لا ( بالزنا بمسلمة وقتل مسلم ) وإفتان مسلم عن دينه وقطع الطريق ( وسب النبي صلى الله عليه وسلم ) [ ص: 214 ] لأن كفره المقارن له لا يمنعه فالطارئ لا يرفعه فلو من مسلم قبل كما سيجيء

التالي السابق


مطلب فيما ينتقض به عهد الذمي وما لا ينتقض

( قوله وينتقض عهدهم إلخ ) لأنهم بذلك صاروا حربا علينا وعقد الذمة ما كان إلا لدفع شر حرابتهم فيعرى عن الفائدة فلا يبقى ولا يبطل أمان ذريته بنقض عهده فتح ( قوله بالغلبة على موضع ) أي قرية أو حصن فتح وقوله للحرب أي لأجل حربنا ، وفي بعض النسخ للحراب بزيادة الألف واحترز بالغلبة المذكورة عما لو كانوا مع أهل البغي يعينونهم على القتال ، فإنه لا ينقض عهدهم كما ذكره الزيلعي وغيره في باب البغاة ( قوله أو باللحاق بدار الحرب ) لا يبعد أن يقال انتقاله إلى المكان الذي تغلبوا فيه كانتقاله إلى دار الحرب بالاتفاق ، إن لم يكن ذلك المكان مواخما لدار الإسلام : أي بأن كان متصلا بدار الحرب وإلا فعلى قولهما كما في الفتح ( قوله أو بالامتناع عن قبول الجزية ) أي بخلاف الامتناع عن أدائها على ما يأتي ، لكن الامتناع عن قبولها إنما يكون عند ابتداء وضعها وهو حينئذ لم يكن له عهد ذمة ، حتى ينتقض ، ويمكن تصويره فيمن دخل في عهد الذمة تبعا ثم صار أهلا كالمجنون والصبي ، فإذا أفاق أو بلغ أول الحول توضع عليه فإذا امتنع انتقض عهده أفاده ط .

( قوله أو يجعل نفسه طليعة للمشركين ) هذا مما زاده في الفتح أيضا لكن لم يذكره هنا ، بل ذكره في النكاح في باب نكاح المشرك ( قوله بأن يبعث ليطلع إلخ ) صورته أن يدخل مستأمن ويقيم سنة ، وتضرب عليه الجزية وقصده التجسس على المسلمين ليخبر العدو ط ( قوله فلو لم يبعثوه ) بأن كان ذميا أصليا وطرأ عليه هذا القصد ط ( قوله وعليه يحمل كلام المحيط ) حيث قال لو كان يخبر المشركين بعيوب المسلمين أو يقاتل رجلا من المسلمين ليقتله لا يكون نقضا للعهد ، وهذا التوفيق لصاحب البحر وأقره في النهر وغيره ، ويشعر به تعبير الفتح بالطليعة فإن الطليعة واحدة الطلائع في الحرب ، وهم الذين يبعثون ليطلعوا على أخبار العدو ، كما في البحر عن المغرب ( قوله في كل أحكامه ) فيحكم بموته باللحاق وإذا تاب تقبل توبته وتعود ذمته وتبين منه زوجته الذمية التي خلفها في دار الإسلام إجماعا ويقسم ماله بين ورثته فتح وتمامه في البحر ( قوله والمرتد يقتل ) لأن كفره أغلظ بحر ( قوله والمرتد يجبر على الإسلام ) أما المرتدة فإنها تسترق بعد اللحاق رواية واحدة وقبله في رواية بحر ( قوله بقوله نقضت العهد ) لأنه لا ينتقض عهده بالقول بل بالفعل كما مر ، بخلاف الأمان للحربي .

قلت : ولعل وجه الفرق أن أمان الحربي على شرف الزوال لتمكنه من العود ، متى أراد فهو غير لازم ، بخلاف عهد الذمة فهو لازم لا يصح الرجوع عنه ولذا لا يمكن من العود إلى دار الحرب ، فيجبره الإمام على الجزية ما دام تحت قهره ، بخلاف ما إذا لحق بدارهم أو غلبوا على موضع أو جعل نفسه طليعة أو امتنع عن قبول الجزية لأنه في الأولين صار حربا علينا كما مر وفي الثالث : علم أنه لم يقصد العهد بل جعله وصلة إلى إضراره بنا ، [ ص: 213 ] وفي الرابع : لم يوجد منه ما يدفع عنه القتل بخلاف ما إذا امتنع عن أدائها ولذا قال الزيلعي وغيره : لأن الغاية التي ينتهي بها القتال التزام الجزية لا أداؤها والالتزام باق فيأخذها الإمام منه جبرا ا هـ وبهذا اندفع ما استشكله في النهر من أنه لو امتنع عن قبولها نقض عهده ، وليس ذلك إلا بالقول .

وجه الدفع أن الانتقاض لم يجئ من قوله لا أقبل بل من عدم وجود ما يدفع عنه القتل وهو التزام أدائها بخلاف امتناعه عن أدائها بقوله لا أؤديها ، فإنه قول وجد بعد التزامها الدافع للقتل ، ولا يزول ذلك الالتزام به وكذا بقوله نقضت العهد لما قلنا ، من أنه لازم لا يملك فسخه صريحا ، ولا دلالة ما دام تحت قهرنا فافهم ، واندفع به أيضا ما أورده في الدرر من أن امتناعه عن أدائها بقوله : لا أعطيها ينافي بقاء الالتزام لما قلنا من لزوم ذلك الالتزام ، وأنه لا يملك نقضه صريحا فكذا دلالة بالأولى فيجبر على أدائها ما دام مقهورا في دارنا ، ثم رأيت الحموي أجاب بنحوه والله تعالى أعلم ( قوله بل عن قبولها ) أي بل ينتقض عهده بالإباء عن قبولها ، وقدمنا تصويره ، وقد علمت آنفا وجه الفرق بين المسألتين ( قوله ونقل العيني ) حيث قال وفي رواية مذكورة في واقعات حسام أن أهل الذمة إذا امتنعوا عن أداء الجزية ينتقض العهد ، ويقاتلون وهو قول الثلاثة . ا هـ .

ولا يخفى ضعفها رواية ودراية بحر . قلت : أما وجه الضعف رواية فلأنه خلاف الرواية المشهورة في المذهب المنصوصة في المتون وغيرها وأما الدراية أي الضعف من حيث المعنى ، فلما علمت من بقاء الالتزام الدافع للقتل فتؤخذ منهم جبرا ، ويمكن تأويل ما في الواقعات ، بما إذا كانوا جماعة تغلبوا على موضع هو بلدهم أو غيرهم وأظهروا العصيان والمحاربة ، فإنها حينئذ لا يمكن أخذها منهم إلا بالقتال تأمل ( قوله ولا بالزنا بمسلمة ) بل يقام عليه موجبه ، وهو الحد وكذا لو نكحها لا ينقض عهده ، والنكاح باطل ولو أسلم بعده ويعزران وكذا الساعي بينهما بحر ( قوله وإفتان مسلم ) مصدر أفتن الرباعي ا هـ ح . قلت : لكن الذي رأيناه في النسخ افتتان بتاءين وفي المصباح : فتن المال الناس من باب ضرب استمالهم ، وفتن في دينه وافتتن أيضا بالبناء للمفعول مال عنه ا هـ ومقتضاه : أن الافتتان متعد لا لازم تأمل . مطلب في حكم سب الذمي النبي صلى الله عليه وسلم

( قوله وسب النبي صلى الله عليه وسلم ) أي إذا لم يعلن ، فلو أعلن بشتمه أو اعتاده قتل ، ولو امرأة وبه يفتى اليوم در منتقى وهذا حاصل ما سيذكره الشارح هنا وقيده الخير الرملي بقيد آخر حيث قال أقول : هذا إن لم يشترط انتقاضه به أما إذا شرط انتقض به كما هو ظاهر . ا هـ . قلت : وقد ذكر الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج في صلح أبي عبيدة ، مع أهل الشام أنه صالحهم ، واشترط عليهم حين دخلها على أن يترك كنائسهم ، وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ، ولا كنيسة ، وأن لا يشتموا مسلما ، ولا يضربوه إلخ ، وذكر العلامة قاسم من رواية الخلال والبيهقي وغيرهما كتاب العهد وفي آخره فلما أتيت عمر بن الخطاب بالكتاب زاد فيه : وأن لا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لهم ذلك علينا ، وعلى أهل ملتنا وقبلنا

. [ ص: 214 ] عنهم الأمان ، فإن نحن خالفنا شيئا مما شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل لكم من أهل المعاندة والشقاق ، وفي رواية الخلال : فكتب عمر أن أمض لهم ما سألوه وألحق فيه حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم أن لا يشتروا شيئا من سبايانا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده . ا هـ . وقد ذكر الشرنبلالي في رسالته كتاب العهد بتمامه ثم قال : وقد اعتمد الفقهاء ذلك من كل مذهب كما نقله القاضي بدر الدين القرافي ا هـ ثم ذكر الشرنبلالي أنه انتقض عهدهم بإحداث ذلك الدير أي الذي أحدثوه في زمنه ، وألف فيه الرسالة المذكورة ثم قال بعد ذكره ما ألحقه عمر رضي الله تعالى عنه أن هذا دليل لما قاله الكمال بن الهمام من نقضي العهد بتمردهم واستعلائهم على المسلمين . ا هـ . قلت : ولعلهم لم يقيدوا بهذا القيد لظهوره كما تقدم عن الرملي لأن المعلق على أمر لا يوجد بدونه ولأن مرادهم بيان أن مجرد عقد الذمة لا ينتقض بما ذكروه من السب ونحوه ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة ، وليس كل إمام إذا فتح بلدة يشترط هذا الشرط الذي شرطه عمر فلذا تركوا التصريح به على أن ما شرطه عمر على الشام ونحوها لا يجري حكمه على كل ما فتحه من البلاد ما لم يعلم اشتراطه عليهم أيضا . فصار الحاصل : أن عقد الذمة لا ينتقض بما ذكروه ما لم يشترط انتقاضه به فإذا اشترط انتقض ، وإلا فلا إلا إذا أعلن بالشتم أو اعتاده لما قدمناه ولما يأتي عن المعروضات وغيرها ولما ذكره ط عن الشلبي عن حافظ الدين النسفي إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن ، فقد نكث عهده وخرج من الذمة ا هـ لكن مقتضى هذا التعليل اشتراط عدم الطعن بمجرد عقد الذمة ، وهو خلاف كلامهم فتأمل . [ تنبيه ]

قيد الشافعية الشتم بما لا يتدينون به ونقله في حاشية السيد أبي السعود عن الذخيرة بقوله : إذا ذكره بسوء يعتقده ويتدين به ، بأن قال إنه ليس برسول أو قتل اليهود بغير حق أو نسبه إلى الكذب فعند بعض الأئمة لا ينتقض عهده أما إذا ذكره بما لا يعتقده ولا يتدين به كما لو نسبه إلى الزنا أو طعن في نسبه ينتقض . ا هـ . ( قوله المقارن له ) أي لعهد الذمة ( قوله فالطارئ ) أي بالسب ( قوله فلو من مسلم قبل ) أي إن لم يتب لا مطلقا خلافا لما ذكره في الدرر هنا والبزازية وغيرهما ، فإنه مذهب المالكية لا مذهبنا كما سيأتي تحريره فافهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث