الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل القوادح في العلة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لما فرغنا من الكلام على الطرق الدالة على العلة شرعنا في ذكر ما يحتمل أنه من مبطلاتها ، أو مبطلات غيرها من الأدلة ، ويعبر عن ذلك تارة بالاعتراضات وتارة بالقوادح ، و ( القوادح ترجع إلى المنع في المقدمات ، أو المعارضات في الحكم ) قال أهل الجدل : الاعتراضات راجعة إما إلى منع في مقدمة من المقدمات ، أو معارضة في الحكم . فمتى حصل الجواب عنها فقد تم الدليل ، ولم يبق للمعترض مجال ، فيكون ما سوى ذلك من الأسئلة باطلا فلا يسمع . وقال التاج السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب ، وقطع به في جمع الجوامع : إنها كلها ترجع [ ص: 539 ] إلى المنع ; لأن الكلام إذا كان مجملا لا يحصل غرض المستدل بتفسيره . فالمطالبة بتفسيره تستلزم منع تحقق الوصف ، ومنع لزوم الحكم عنه . ولم يذكر الغزالي في المستصفى شيئا من القوادح ، وقال : إن موضع ذكرها علم الجدل . والذاكرون لها يقولون : إنها من مكملات القياس الذي هو من أصول الفقه ، ومكمل الشيء من ذلك الشيء . وعدة القوادح عند ابن الحاجب وابن مفلح والأكثر خمسة وعشرون قادحا ، وقيل : اثنا عشر ( ومقدمها ) أي القوادح ( الاستفسار ) أي هو طليعة لها كطليعة الجيش ; لأنه المقدم على كل اعتراض ، وإنما كان مقدما ; لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ استحال توجه المنع أو المعارضة ، وهما مراد الاعتراضات كلها . وقيل : في كونه منها نظر ; لأن الاعتراضات خدش كلام المستدل . والاستفسار ليس فيه خدش ، بل غايته : أنه استفهام للمراد من الكلام ، لأنه استفعال من " الفسر " وهو لغة طلب الكشف والإظهار ، ومنه التفسير . ولهذا عرفوه بقولهم ( وهو طلب معنى لفظ المستدل لإجماله أو غرابته ) وإنما يسمع ذلك من المعترض إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة ، وإلا فهو تعنت مفوت لفائدة المناظرة ، إذ يأتي في كل لفظ يفسر به لفظ ويتسلسل ( وعلى المعترض بيان احتماله ) أي احتمال اللفظ لمعنيين فأكثر ، حتى يكون مجملا ، كما لو قال المستدل : المطلقة تعتد بالأقراء ، فلفظ " الأقراء " مجمل . فيقول المعترض : ما مرادك بالأقراء ؟ فإذا قال : الحيض أو الأطهار ، أجاب بحسب ذلك من تسليم أو منع ( أو ) بيان ( جهة الغرابة بطريقة ) إما من حيث الوضع ، كقوله : لا يحل السبد ، أي الذئب . وكما لو قال في الكلب الذي لم يعلم : خراش لم يبل ، فلا يطلق فريسته كالسبد . ومعنى " لم يبل " : لم يختبر والفريسة : الصيد ، من فرس الأسد فريسة إذا دق عنقها ، ثم كثر حتى أطلق على كل قتيل فريسة . والسبد الذئب - وهو بكسر السين وسكون الباء الموحدة - والخراش : الكلب - وهو بكسر الخاء ، وقبل الألف راء بعدها شين معجمة - وأما بيان جهة الغرابة من حيث الاصطلاح : كما يقال في القياسات الفقهية : لفظ الدور أو التسلسل أو الهيولى ، أو المادة أو المبدأ أو الغاية ، نحو أن يقال في شهود [ ص: 540 ] القتل إذا رجعوا : لا يجب القصاص ; لأن وجوب القصاص تجرد مبدؤه عن غاية مقصوده ، فوجب أن لا يثبت ، وكذا ما أشبه ذلك من اصطلاح المتكلمين .

إلا أن يعرف من حال خصمه أنه يعرف ذلك ، فلا غرابة حينئذ . و ( لا ) يلزم المعترض إذا بين كون اللفظ محتملا ( بيان تساوي الاحتمالات ) لعسره ( ولو قال ) المعترض ( الأصل عدم مرجح : صح ) يعني أنه قال : الأصل عدم رجحان بعض الاحتمالات عن بعض ، كان قوله ذلك صحيحا . ويكون ذلك تبرعا من المعترض ( وجوابه ) أي جواب المستدل عن الاستفسار ، إما ( بمنع احتماله ) أي بمنع إجماله ( أو ) ب ( بيان ظهوره ) أي ظهور اللفظ ( في مقصوده ) أي فيما قصده المستدل ، بأن يقول : هذا ظاهر في مقصودي ، ويبين ذلك ( إما بنقل من اللغة ) كما لو اعترض عليه في قوله : الوضوء قربة ، فتجب له النية ، فيقول المعترض : الوضوء يطلق على النظافة ، وعلى الأفعال المخصوصة . فما الذي تريد بالذي تجب له النية ؟ فيقول : حقيقته الشرعية ، وهي الأفعال المخصوصة ( أو عرف ) يعني أو يبين كون لفظه ظاهرا في مقصوده بالعرف ، كإطلاق الدابة على ذوات الأربع ( أو ) يبين كون اللفظ ظاهرا في مقصوده بما معه من ( قرينة ) نحو قوله : قرء تحرم فيه الصلاة ، فيحرم فيه الصوم ، فإن قرينة تحريم الصلاة فيه تدل على أن المراد به الحيض ، وكذا لو كان اللفظ غريبا ودلت قرينة معه على المراد ، مثل قوله : طلة زوجت نفسها فلا يصح . فالطلة : المرأة ، بقرينة قوله : زوجت نفسها ، لا صفة الخمر ( أو ) ب ( تفسيره ) يعني : أو يكون جواب المعترض بكون اللفظ غريبا : تفسير المستدل للفظه ( إن تعذر ) عليه ( إبطال غرابته ) بأن يقول : مرادي المعنى الفلاني لكن لا بد أن يفسره بما يحتمله اللفظ وإن بعد ، كما يقول : يخرج في الفطرة البر ، ويفسره بالقطعة من الأقط . قال ابن الحاجب وابن مفلح وتابعهما صاحب التحرير ( ولو قال ) أي المستدل ( يلزم ظهوره ) أي ظهور اللفظ في أحد المعنيين ( دفعا للإجمال ، وفيما قصدته لعدم ظهوره في الآخر ) أي في المعنى الآخر الذي لم أقصده ( اتفاقا ) أي باتفاق مني ومنك ، فيكون ظاهرا في مرادي ( كفى ) ذلك [ ص: 541 ] بناء على أن المجاز أولى ولا يعتد بتفسير المستدل بشيء لا تحتمله اللغة ; لأن ذلك لعب . لكن هذا كله إذا لم يكن اللفظ الذي يطلب المعترض تفسيره ظاهرا في معناه . فإن كان ظاهرا : فالحزم تبكيت المعترض بأن يقال له : امض فتعلم ثم ارجع فتكلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث