الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 511 ] كتاب العطايا والصدقات والحبس وما دخل في ذلك من كتاب السائبة

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " يجمع ما يعطي الناس من أموالهم ثلاثة وجوه ، ثم يتشعب كل وجه منها ، ففي الحياة منها وجهان وبعد الممات منها وجه ، فمما في الحياة : الصدقات ، واحتج فيها بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ملك مائة سهم من خيبر ، فقال : يا رسول الله ، لم أصب مالا مثله قط ، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله تعالى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : حبس الأصل وسبل الثمرة قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : فلما أجاز - صلى الله عليه وسلم - أن يحبس أصل المال وتسبل الثمرة دل ذلك على إخراجه الأصل من ملكه إلى أن يكون محبوسا لا يملك من سبل عليه ثمره بيع أصله ، فصار هذا المال مباينا لما سواه ومجامعا لأن يخرج العبد من ملكه بالعتق لله عز وجل إلى غير مالك ، فملكه بذلك منفعة نفسه لا رقبته كما يملك المحبس عليه منفعة المال لا رقبته ، ومحرم على المحبس أن يملك المال كما محرم على المعتق أن يملك العبد ويتم الحبس وإن لم يقبض : لأن عمر - رضي الله عنه - هو المصدق بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يزل يلي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله ، ولم يزل علي - رضي الله عنه - يلي صدقته حتى لقي الله تعالى ، ولم تزل فاطمة - رضي الله عنها - تلي صدقتها حتى لقيت الله ، وروى الشافعي - رحمه الله - حديثا ذكر فيه أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب وأن عليا كرم الله وجهه تصدق عليهم وأدخل معهم غيرهم " .

فأما الذي يكون بعد الوفاة فهو الوصية ولها كتاب مفرد نذكرها فيه إن شاء الله ، وأما اللذان في حال الحياة فهما الهبة ، والوقف ، فأما الهبة فلها باب يجيء فيما بعد ، وأما الوقف فهذا موضعه فالوقف يحبس الأصل ويسبل المنفعة ، وجمعه : وقوف وأوقاف ، فإذا وقف شيئا زال ملكه عنه بنفس الوقف ولزم الوقف ، فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك ، ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة ، ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه ، وليس من شرطه لزوم القبض ، ولا حكم الحاكم وهو قول الفقهاء أجمع ، وهو قول أبي سفيان ومحمد غير أن محمدا يقول : من شرط لزومه القبض ، وروى عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف حتى حدثه إسماعيل بن علية بحديث عمر - رضي الله عنه - فقال : هذا لا يسع أحدا خلافه .

[ ص: 512 ] وقال أبو حنيفة : إن حكم الحاكم بالوقف لزم ، وإن لم يحكم به لم يلزم ، وكان الواقف بالخيار إن شاء باعه أو وهبه ، وإن مات ورثه ورثته ، وإن أوصى بالوقف يلزم في الثلث . قال القاضي : قد ناقض أبو حنيفة في هذا : لأنه جعل الوقف لازما في ثلثه في حال مرضه المخوف إذا أنجزه ولم يؤخره . ولا لازما في جميع ماله في حال صحته : لأن كل ما لزم في الثلث بوصية لزم فيه في مرضه إذا أنجزه وفي جميع ماله في حال صحته مثل العتق فإنه إذا أوصى به لزم في ثلثه ، وإذا أنجزه في مرضه لزم في ثلثه ، وإذا أنجزه في حال صحته لزم في جميع ماله واحتج بأشياء :

أحدها : ما روي عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة النساء وفرض فيها الفرائض قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا حبس بعد سورة النساء .

وروي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطا له صدقة ، وجعله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى أبواه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله ، لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ماتا فورثهما فدل هذا على أن وقفه إياه لم يخرجه من ملكه ، ولو كان قد أخرجه عن ملكه لم يصح الرد على أبويه ، وروي عن شريح قال : جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بإطلاق الحبس .

وروي عن سلمان بن زيد ، عن أبيه أن رجلا وقف وقفا فأبطله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو كان قد لزم لم يصح إبطاله ، ومن القياس أنه قصد إخراج ماله عن ملكه على وجه الصدقة فوجب أن لا يلزم لمجدد القول .

أصله : صدقة التمليك ، ولأنه عقد على منفعة فوجب أن لا يزول به الملك عن الرقبة قياسا على الإجارة ، ولأنه لو قال : هذه الأرض محرمة لا تورث ولا تباع ولا توهب لم يصر وقفا ، ولم يزل ملكه عنها ، وقد أتى بصريح معنى الوقف ، فإذا قال : وقفتها أو حبستها ، أولى أن لا يزول ملكه عنها .

ودليلنا : ما روى ابن عمر أن عمر - رضي الله عنه - ملك مائة سهم من خيبر اشتراها ، فلما استجمعها ، قال : يا رسول الله ، إني أصبت مالا لم أصب مالا قط مثله ، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله تعالى ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : حبس الأصل وسبل الثمرة وفي حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إن شئت تصدقت بها وحبست أصلها فجعلها عمر على الفقراء ، والمساكين ، والغزاة في سبيل الله ، وفي الرقاب ، وابن السبيل ، ولا جناح على من ولاها إن أكل منها بالمعروف ويطعم صديقه غير متمول ، وأوصى بها إلى حفصة ، ثم إلى الأكابر من أولاد عمر ، والتعلق بهذا الحديث من وجهين :

[ ص: 513 ] أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بأن يحبس الأصول ، وعند المخالف لا يقع تحبيس الأصل بحال ، فإن قيل : بل يصح منه : لأنه يقف ويرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يحكم به ، فإذا حكم به لزم قيل : فلا يكون ذلك اللزوم من جهته ، إنما يكون من جهة الحاكم بالحكم ، كما يكون ذلك في جميع مسائل الخلاف ، وعلى أنه لم ينقل أن عمر رفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكم به ، ولو كان فعل ذلك لنقل : لأنه أولى بالنقل من غيره .

والتعلق الثاني : بالخبر أن عمر جعلها صدقة ثم ذكر أحكامها فقال : لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث فدل ذلك على أن هذه الأحكام تتعلق بها إذا صارت صدقة وإن لم يحكم بها الحاكم ، ويدل على ذلك إجماع الصحابة : لأن أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا ، وطلحة ، والزبير ، وأنسا ، وأبا الدرداء ، وعبد الرحمن بن عوف ، وفاطمة وغيرهم وقفوا دورا وبساتين ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع في وقفه فباع منه شيئا ، ولا عن أحد من ورثتهم مع اختلاف همهم ، فلو كان ذلك جائزا لنقل عن أحد منهم الرجوع .

ومن القياس : أنه تصرف يلزم بالوصية ، فجاز أن يلزم في حال الحياة من غير حكم الحاكم .

أصله : إذا بنى مسجدا ، فإنه يلزم من غير حكم الحاكم ، وقد قال أبو حنيفة : إذا أذن لقوم فصلوا فيه صار محبسا وثبت وقفه ، وكذلك إذا عمل مقبرة وأراد أن يقفها فأذن لقوم فدفنوا فيها ثبت الوقف ، ولأنه إزالة ملك يلزم بحكم الحاكم فجاز أن يلزم بغير حكمه . أصله : سائر أنواع التصرف التي تزيل الملك .

فأما الجواب عن حديث ابن عباس فمن وجهين :

أحدهما : أنه أراد حبس الزانية ، وذلك - قوله تعالى - : فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا [ النساء : 15 ] ، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل فقال : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .

والثاني : أنه أراد به ما ينبه في آخر وهو قوله : إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث كأنه قال : لا يحبس عن وارث شيء جعله الله له .

وأما الجواب عن حديث عبد الله بن زيد : فهو أن ذلك الحائط ما كان له إنما كان لأبويه بدليل أنه روي عن الخبر ماتا فورثهما .

وأما الجواب عن حديث شريح فهو أن نقول : هذا مرسل : لأن شريحا تابعي ، ولا [ ص: 514 ] نقول بالمراسيل ، أو نقول : أراد بذلك الأحباس التي كانت تفعلها الجاهلية ، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز فقال : ما جعل الله من بحيرة [ المائدة : 103 ] .

وأما الجواب عن الخبر فهو أنه لا حجة فيه : لأنه يجوز أن يكون ذلك الوقف ما صح لمعنى عرض فيه فرده لذلك المعنى ، وذلك الرد لا يدل على بطلان الحبس ، كما لو روي أن رجلا باع بيعا فرده رسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدل ذلك على أن حبس البيع باطل .

وأما قياسهم على صدقة التمليك فإنا نقلبه ، فنقول : فوجب أن يكون وجود حكم الحاكم وعدمه سواء .

أصله : ما ذكروه ثم لا يمتنع أن لا يلزم بمجرد القول إذا أخرجه بلفظ الصدقة ، وإذا أخرجه بلفظ الوقف لزم ، ألا ترى أن هبة العبد لا تلزم بمجرد القول ، وعتقه يلزم بمجرد القول ، وأما قياسهم على عقد الإجارة فهو أنا لا نسلم أنه عقد على منفعة ، وإنما هو عقد على الرقبة : لأن الوقف مزيل الملك عن الرقبة فهو كالعتق ، وأما استدلالهم الأخير فهو أنه لا يمتنع أن لا يلزم إذا أتى بصريح المعنى ، ويلزم إذا أتي بلفظة كما إذا قال عن عقد النكاح : أحللت لك هذه المرأة وأبحتها لك ، لم يصح النكاح ، وقد صرح بمعناه ، ولو قال : زوجتك ، أو أنكحتك جاز ذلك ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث