الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولما فرغ الناظم من أحكام الدواب ومن وسمها ، وما عطف عليه ، وما يباح قتله ، وما يحرم ، وما يكره ، وما يستحب وذكر حكم الإكراه ، وأنه ما يحل للمضطر يحل للمكره ، وأن المكره أقواله وأفعاله الصادرة منه لداعي الإكراه لغو إلا ما استثنى أعقب ذلك ببيان طرف من آداب الأكل والشرب فقال :

مطلب : في آداب الأكل :

ويكره نفخ في الغدا وتنفس وجولان أيد في طعام موحد ( ويكره ) تنزيها ، وقد مر غير مرة أن المكروه يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله ( نفخ ) مصدر نفخ . قال في القاموس نفخ بفيه أخرج منه الريح ( في الغدا ) متعلق ب نفخ .

أصل الغدا طعام الغدوة وجمعه أغدية [ ص: 87 ] وتغدى أكل أول النهار وغديته تغدية فهو غديان ، وهي غديا ، والغدوة بالضم البكرة ، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة ، والغدية .

وفي اصطلاح الفقهاء الغداء ما كان قبل الزوال ، والعشاء بعده إلى نصف الليل .

فلو حلف لا يتغدى فأكل بعد الزوال ، أو لا يتعشى فأكل بعد نصف الليل ، أو لا يتسحر فأكل قبل نصف الليل ولا نية لم يحنث ، والمراد به في كلام الناظم مطلق الطعام والشراب هذا إن كان بالغين المعجمة والدال المهملة كما هو مكتوب في بعض النسخ ، وصوابه بالغين المكسورة والذال المعجمتين .

قال في القاموس : الغذاء ككساء ما به نماء الجسم وقوامه وغذاه غذوا وغذاه واغتذى وتغذى ، فإن لفظه بالذال المعجمة يدل على الأكل والشرب كل وقت بالمطابقة بخلاف الغداء بالدال المهملة ، فإنما يدل على الأكل قبل الزوال خاصة ويحمل عليه بقية الطعام والشراب في غير ذلك الوقت ، وما دل بالمطابقة أولى مما لا دلالة على شيء إلا بطريق الحمل .

فظهر أن المعجمة هي الصواب والله أعلم ( و ) يكره أيضا في الغدا يعني في المأكول ، والمشروب ( تنفس ) أي أن يتنفس في الإناء الذي فيه الغذاء قبل إبانته عن فيه بأن يخرج نفس الشارب ونحوه في الإناء . والنفس بالتحريك واحد الأنفاس ، وتنفس الصبح تبلج .

مطلب : فيما ورد من النهي عن النفخ في الإناء والتنفس فيه .

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن النفخ في الإناء والتنفس فيه } . روى الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن يتنفس في الإناء ، أو ينفخ فيه } .

وروى الترمذي أيضا ، وقال حسن صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل : القذاة أراها في الإناء فقال أهرقها قال : فإني لا أروى من نفس واحد ، قال فأبن القدح إذن عن فيك } .

وأخرج أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أيضا رضي الله عنه قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشراب } .

وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي { النهي عن التنفس في الإناء } من حديث أبي قتادة .

[ ص: 88 ] وروى ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن يشرب الرجل من في السقاء وأن يتنفس في الإناء } . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية } يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها

. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى أن يشرب من في السقاء ، فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية } ، رواه البخاري مختصرا دون قوله : فأنبئت إلى آخره ورواه الحاكم بتمامه ، وقال : صحيح على شرط البخاري .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية ، وأن رجلا بعد ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قام من الليل إلى سقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية } رواه ابن ماجه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام ، وبقية إسناده ثقات ، وقوله : عن اختناث السقاء يقال خنث السقاء وأخنثه إذا كسر فمه إلى خارج فشرب منه .

مطلب : في إبانة الشاب القدح عن فيه ثلاثا .

( تنبيهات ) :

( الأول ) : روى الترمذي وحسنه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول : هو أمرأ وأروى } .

وروي أيضا عن ثمامة عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس ثلاثا } ، وقال : هذا صحيح ، قال الحافظ المنذري : وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبين القدح عن فيه كل مرة ، ثم يتنفس كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم لا أنه كان يتنفس في الإناء .

وقال ابن الأثير في نهايته : وفيه أنه نهى عن النفس في الإناء ، وفي حديث آخر أنه كان يتنفس في الإناء ثلاثا ، يعني في الشرب ، الحديثان صحيحان وهما باختلاف تقديرين أحدهما أن يشرب ، وهو يتنفس في الإناء من غير أن يبينه عن فيه ، وهو مكروه ، والآخر أن يشرب من الإناء بثلاثة أنفاس يفصل فيها فاه عن الإناء .

[ ص: 89 ] الثاني ) : روى أبو داود ، والبيهقي { أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بإداوة يوم أحد فقال : اختنث فم الإداوة ، ثم شرب من فيها } فما هذا الأمر بعد النهي الصحيح والزجر عن اختناث الأسقية ؟ فظاهر صنيع البيهقي أن خبر النهي كان بعد هذا فيكون منسوخا ، وأما الترمذي ، فإنه رواه ، وقال : ليس إسناده بصحيح فيكون المعول عليه الزجر لا الأمر ، وهو ظاهر صنيع الحافظ المنذري والله أعلم .

مطلب : لا بأس بنفخ الطعام والشراب إذا كان حارا لحاجة .

( الثالث ) : قال الآمدي ونقله عنه ابن مفلح في الآداب الكبرى وغيره : لا بأس بنفخ الطعام إذا كان حارا ويكره أكله حارا ، وهو ظاهر الإقناع ، فإنه قال : ويكره نفخ الطعام والشراب والتنفس في إنائهما وأكله حارا إن لم يكن حاجة ، فقوله : إن لم يكن حاجة راجع إلى النفخ والتنفس وأكل الحار .

وفي المستوعب : النفخ في الطعام والشراب ، والكتاب منهي عنه ، قال الآمدي : لا يكره النفخ والطعام حار وصوبه في الإنصاف إن كان ثم حاجة إلى الأكل حينئذ والله أعلم .

( الرابع ) : مراد الناظم بالغدا ما يشمل الشراب إذ لا فرق بين المأكول ، والمشروب . قال في الآداب الكبرى : يكره نفخ الطعام والشراب ، أطلقه الأصحاب لظاهر الخبر ، وحكمة ذلك تقتضي التسوية ، وبذلك سوى الشارع بين النفخ والتنفس فيه انتهى . فيشمل نحو قهوة البن مع أنها إنما تشرب ، وفيها حرارة لكن غير مؤذية ، فإذا احتاج إلى النفخ فلا كراهة وإلا كره والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث