الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إدريس بن علي بن حمود الحسني

إدريس بن علي بن حمود الحسني

الإدريسي ، أخو المعتلي بالله ، لما قتل أخوه بادر أبو جعفر أحمد بن موسى بن بقنة ونجا الصقلبي الخادم ، فأتيا مالقة وهي دار ملكهم ، فأخبرا إدريس بن علي بقتل أخيه وكان بسبتة ، فدخل الأندلس . [ ص: 142 ]

بويع بمالقة بالخلافة ، ولقب بالمتأيد ، بالله ، وجعل ابن أخيه حسن بن المعتلي واليا على سبتة .

ثم إنه استنجد بإدريس محمد البربري على حرب عسكر إشبيلية ، فأمده بجيش عليهم ابن بقنة ، فهزموا عسكر إشبيلية ، وكان عليه إسماعيل ولد القاضي ابن عباد ، وقتل إسماعيل ، وحمل رأسه إلى إدريس بن علي ، فوافاه وهو عليل ، فلم يعش إلا يومين ومات ، وخلف من الولد محمدا الذي لقب بالمهدي ، والحسن الذي لقب بالسامي .

وكان المعتلي بالله قد اعتقل محمدا وحسنا ابني عمه القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء ، ووكل بهما رجلا من المغاربة ، فحين بلغه خبر مقتل المعتلي جمع من كان في الجزيرة من البربر والسودان ، وأخرج محمدا وحسنا ، وقال : هذان سيداكم ، فسارعوا إلى الطاعة لهما . فبويع محمد ، وتملك الجزيرة ، لكنه لم يتسم بالخلافة ، وأما أخوه الحسن ، فأقام معه مدة ، ثم تزهد ، ولبس الصوف ، وفرغ عن الدنيا ، وحج بأخته فاطمة .

ولما بلغ نجا الصقلبي وهو بسبتة موت إدريس ، عدى إلى مالقة ومعه حسن بن يحيى بن علي ، فخارت قوى ابن بقنة ، وهرب فتحصن بحصن لمارش وهو على بريد من مالقة ، فبويع الحسن بن يحيى بالخلافة ، [ ص: 143 ] وتسمى بالمستعلي ، ثم آمن ابن بقنة ، فلما قدم عليه قتله ، ثم قتل ابن عمه يحيى بن إدريس بن علي ، ورجع نجا إلى سبتة ، ثم هلك حسن المستعلي ، بعد سنتين .

فجاز نجا ليملك البلاد ، فقتلته البربر ، وأخرجوا من السجن إدريس بن المعتلي ، فبايعوه ، وتلقب بالعالي وكان ذا رأفة ورقة ، لكن كان دنيء النفس يقرب السفل ، ولا يحجب حرمه عنهم ، وله تدبير سيئ . ثم إن البربر مقتوه ، وأجمعوا على محمد بن القاسم بن حمود الإدريسي الكائن بالجزيرة الخضراء ، فبايعوه ، ولقبوه بالمهدي ، وصار الأمر في غاية الأخلوقة ، اجتمع في الوقت أربعة يدعون بأمير المؤمنين في رقعة من الأندلس ، مقدار ما بينهم ثلاثون فرسخا في مثلها ، ثم افترقوا عن محمد بعد أيام ، ورد خاسئا ، فمات غما بعد أيام ، وخلف ثمانية أولاد .

فتولى أمر الجزيرة الخضراء بعده ولده القاسم بن محمد بن القاسم الإدريسي .

وولي مالقة محمد بن إدريس بن المعتلي ، فبقي عليها إلى أن مات سنة خمس وأربعين وأربعمائة ، وعزل أبوه هذه المدة ، ثم ردوه بعد ولده إلى إمرة مالقة ، فهو آخر من ملكها من الإدريسيين فلما مات اجتمع رأي [ ص: 144 ] البربر على نفي الإدريسية عن الأندلس إلى العدوة ، والاستبداد بضبط ما بأيديهم من الممالك ، ففعلوا ذلك ، فكانت الجزيرة وما والاها إلى تاكزونة ، ومالقة وغرناطة إلى قبيلة أخرى ، ولم يزالوا كذلك إلى أن قوي المعتضد بالله عباد بن القاضي بن عباد ، وغلب على الأندلس ، فأجلاهم عنها ، وذلك مذكور في " تاريخ " الحميدي وغيره ، وغلب على كل قطر متغلب تسمى بالمأمون ، ومنهم من تسمى بالمعتصم ، وآخر بالمتوكل ، حتى قال الحسن بن رشيق :

مما يزهدني في أرض أندلس سماع معتصم فيها ومعتضد     ألقاب مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث