الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 480 ] كتاب المعاقل

المعاقل جمع معقلة ، وهي الدية : وتسمى الدية عقلا لأنها تعقل الدماء من أن تسفك : أي تمسك .

قال : ( والدية في شبه العمد والخطإ وكل دية تجب بنفس القتل على العاقلة ، والعاقلة الذين يعقلون ) يعني يؤدون العقل وهو الدية ، وقد ذكرناه في الديات . والأصل في وجوبها على العاقلة قوله عليه الصلاة والسلام في حديث حمل بن مالك رضي الله عنه للأولياء : " { قوموا فدوه }" لأن النفس محترمة لا وجه إلى الإهدار والخاطئ معذور ، وكذا الذي تولى شبه العمد نظر إلى الآلة فلا وجه إلى إيجاب العقوبة عليه ، وفي إيجاب مال عظيم إجحافه واستئصاله فيصير عقوبة فضم إليه العاقلة تحقيقا للتخفيف ، وإنما خصوا بالضم لأنه إنما قصر لقوة فيه ، وتلك بأنصاره ، وهم العاقلة ، فكانوا هم المقصرين في تركهم مراقبته فخصوا به .

قال : ( والعاقلة أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين ) وأهل الديوان أهل الرايات ، وهم الجيش الذي كتبت أساميهم في الديوان ، وهذا عندنا . وقال الشافعي رحمه الله الدية على أهل العشيرة لأنه كان كذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نسخ بعده ولأنه صلة والأولى بها الأقارب . [ ص: 481 ] ولنا قضية عمر رضي الله عنه فإنه لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير منهم وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى لأن العقل كان على أهل النصرة ، وقد كانت بأنواع بالقرابة والحلف والولاء والعد ، وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعا للمعنى ، ولهذا قالوا لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة ، وإن كان بالحلف فأهله والدية صلة كما قال لكن إيجابها فيما هو صلة ، وهو العطاء أولى منه في أصول أموالهم . [ ص: 482 ] والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام ومحكي عن عمر رضي الله عنه ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف والعطاء يخرج في كل سنة مرة ( فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقل أخذ منها ) لحصول المقصود . وتأويله : إذا كانت العطايا للسنين المستقبلة بعد القضاء حتى لو اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء ثم خرجت بعد القضاء لا يؤخذ منها لأن الوجوب بالقضاء على ما نبين إن شاء الله تعالى ولو خرج للقاتل ثلاث عطايا في سنة واحدة معناه في المستقبل يؤخذ منها كل الدية لما ذكرنا ، وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منها في سنة ، وإن كان الواجب بالعقل ثلث دية النفس أو أقل كان في سنة واحدة ، وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية ، وما زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة ، وما وجب على العاقلة من الدية أو على القاتل بأن قتل الأب ابنه عمدا فهو في ماله في ثلاث سنين . وقال الشافعي رحمه الله : ما وجب على القاتل في ماله فهو حال لأن التأجيل للتخفيف لتحمل العاقلة فلا يلحق به العمد المحض ، ولنا أن القياس يأباه والشرع ورد به مؤجلا فلا يتعداه ولو قتل عشرة رجلا خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتبارا للجزء بالكل ; إذ هو بدل النفس وإنما يعتبر مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل والتحول إلى القيمة بالقضاء فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور .

[ ص: 479 - 480 ]

التالي السابق


[ ص: 479 - 480 ] كتاب المعاقل .

الحديث الأول : قال عليه السلام في حديث حمل بن مالك للأولياء : " { قوموا فدوه }" ; قلت : تقدم في " باب الجنين " ، وتقدم ما هو أقوى منه ، وأصرح في اللفظ .

الحديث الثاني : روي { أن الدية كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على أهل العشيرة }; قلت : روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا حفص عن حجاج عن مقسم عن ابن عباس ، قال : { كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين ، والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ، وأن [ ص: 481 ] يفدوا عانيهم بالمعروف ، والإصلاح بين المسلمين }انتهى .

حدثنا وكيع ثنا ابن أبي ليلى عن الشعبي ، قال : { جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل قريش على قريش ، وعقل الأنصار على الأنصار }انتهى .

وروى عبد الرزاق في " مصنفه في كتاب العقول " أخبرنا معمر عن مطر الوراق عن الحسن ، قال : أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة ، يطلبها في أمر ، فقالت : يا ويلها ما لها ، ولعمر ، فبينا هي في الطريق ، اشتد بها الفزع ، فضربها الطلق ، فدخلت دارا ، فألقت ولدها ، فصاح الصبي صيحتين ، ثم مات فاستشار عمر الصحابة ، فقال بعضهم : ليس عليك شيء ، إنما أنت وال ، ومؤدب ، قال : وصمت علي ، فأقبل عليه ، ماذا تقول ؟ قال : إن قالوه برأيهم ، فقد أخطأ رأيهم ، وإن قالوا في هواك ، فلم ينصحوا لك ، أرى أن ديته عليك ، فإنك أنت أفزعتها ، فألقت ولدها بسببه ، قال : فأمر عمر عليا أن يضرب ديته على قريش ، فأخذ عقله من قريش ، لأنه خطأ انتهى . قوله : روي عن عمر أنه لما دون الدواوين ، جعل العقل على أهل الديوان ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ، من غير نكير منهم ; قلت : روى ابن أبي شيبة في : مصنفه في الديات : حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن مطرف عن الحكم ، قال : عمر أول من جعل الدية عشرة عشرة في أعطيات المقاتلة ، دون الناس انتهى . حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن الشعبي ، وعن الحكم عن إبراهيم ، قالا : أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين ، وأخرج في " كتاب الأوائل " من المصنف أيضا حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن زيد عن أبي نضرة عن جابر ، قال : أول من فرض الفرائض ، ودون الدواوين ، وعرف العرفاء عمر بن الخطاب انتهى [ ص: 482 ] وأخرج عن النخعي ، والحسن ، إنما قالا : العقل على أهل الديوان انتهى .

وتقدم عند عبد الرزاق في " مصنفه " عن عمر أنه جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين ، وفي لفظ : أنه قضى بالدية في ثلاث سنين ، في كل سنة ثلث على أهل الديوان في أعطياتهم انتهى . الحديث الثالث :

قال المصنف : والتقدير بثلاث سنين مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ومحكي عن عمر رضي الله عنه ; قلت : تقدما في " الجنايات " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث