الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 322 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس ، لما روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس من ههنا فقد أفطر الصائم } ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر ; لقوله تعالى : { فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإن جامع قبل طلوع الفجر وأصبح وهو جنب جاز صومه لأنه عز وجل لما أذن في المباشرة إلى طلوع الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يجوز أن يصبح صائما وهو جنب . وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم } فإن طلع الفجر وفي فيه طعام فأكله ، أو كان مجامعا فاستدام بطل صومه ، وإن لفظ الطعام أو أخرج مع طلوع الفجر صح صومه وقال المزني : إذا أخرج مع طلوع الفجر لم يصح صومه ; لأن الجماع إيلاج وإخراج فإذا بطل بالإيلاج بطل بالإخراج والدليل على أنه يصح صومه أن الإخراج ترك للجماع ، وما علق على فعل شيء يتعلق بتركه ، كما لو حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو عليه فبدأ ينزعه لم يحنث وإن أكل وهو يشك في طلوع الفجر صح صومه ; لأن الأصل بقاء الليل ، وإن أكل وهو شاك في غروب الشمس لم يصح صومه ; لأن الأصل بقاء النهار ) .

التالي السابق


( المسألة الثالثة ) يجوز له الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر بلا خلاف ; لما ذكره المصنف ، ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل والشرب والجماع وغيرها بلا خلاف ، حتى يتحقق الفجر للآية الكريمة { حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } ولما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " كل ما شككت حتى يتبين لك " رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت قال : " أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر ، فقال أحدهما : أصبحت وقال الآخر : لا ، قال : اختلفتما أرني شرابي " قال البيهقي : وروي هذا عن أبي بكر الصديق وعمر وابن عمر رضي الله عنهم ، وقول ابن عباس : " أرني شرابي " جار على القاعدة أنه يحل الشرب والأكل حتى يتبين الفجر ، ولو كان قد تبين لما اختلفا الرجلان فيه ، لأن خبريهما تعارضا والأصل بقاء الليل ، ولأن قوله : " أصبحت " ليس صريحا في طلوع الفجر ، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر ، والله أعلم ، وقد اتفق أصحابنا على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر ، وصرحوا بذلك فممن صرح به الماوردي والدارمي والبندنيجي وخلائق لا يحصون ، ( وأما ) قول الغزالي في الوسيط : لا يجوز الأكل هجوما في أول النهار ، وقول المتولي في مسألة السحور : لا يجوز للشاك في طلوع الفجر أن يتسحر ، فلعلهما أرادا بقولهما ( لا يجوز ) أنه ليس مباحا مستوي الطرفين ، بل الأولى تركه فإن أراد به تحريم الأكل على الشاك في طلوع الفجر فهو غلط مخالف للقرآن ، ولابن عباس : ولجميع الأصحاب ، بل لجماهير العلماء ، ولا نعرف أحدا من العلماء قال بتحريمه إلا مالكا فإنه حرمه ، وأوجب القضاء على من أكل شاكا [ ص: 326 ] في الفجر ، وذكر ابن المنذر في الأشراف بابا في إباحة الأكل للشاك في الفجر ، فحكاه عن أبي بكر الصديق وابن عمر وابن عباس وعطاء والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور واختاره ولم ينقل المنع إلا عن مالك ، والله أعلم . قال الماوردي وغيره : والأفضل للشاك أن لا يأكل ولا يفعل غيره من ممنوعات الصوم احتياطا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث