الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويحرم على الصائم الأكل والشرب ; لقوله سبحانه وتعالى : { كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإن أكل أو شرب وهو ذاكر للصوم ، عالم بتحريمه مختار بطل صومه لأنه فعل ما ينافي الصوم من غير عذر فبطل وإن استعط أو صب الماء في أذنه فوصل ، [ ص: 334 ] إلى دماغه بطل صومه ، لما روى لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا استنشقت فأبلغ الوضوء إلا أن تكون صائما } فدل على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل صومه ، ولأن الدماغ أحد الجوفين فبطل الصوم بالواصل إليه كالبطن وإن احتقن بطل صومه ; لأنه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ بالسعوط فلأن يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى ، وإن كان به جائفة أو آمة فداواها فوصل الدواء إلى جوفه أو إلى الدماغ أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصلت الطعنة إلى جوفه بطل صومه ، لما ذكرنا في السعوط والحقنة وإن زرق في إحليله شيئا أو أدخل فيه ميلا ففيه وجهان ( أحدهما ) يبطل صومه ; لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه ، فتعلق بالواصل إليه كالفم ( والثاني ) لا يبطل ; لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فهو بمنزلة ما لو ترك في فمه شيئا ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث لقيط صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ولفظهم عن لقيط { قال : قلت : يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ، قال أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما } قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وقد سبق في باب صفة الوضوء بيان هذا الحديث ، وبيان حال لقيط ، وابن صبرة - بفتح الصاد وكسر الباء - ويجوز إسكان الباء مع فتح الصاد وكسرها ، ووقع في نسخ المهذب في حديث لقيط " فأبلغ الوضوء " وهذه اللفظة معروفة ، والمعروف ما ذكرناه عن رواية أهل الحديث ، والسعوط - بضم السين - هو نفس الفعل وهو جعل الشيء في الأنف وجذبه إلى الدماغ ، والسعوط - بفتحها - اسم للشيء الذي يتسعطه كالماء والدهن وغيرهما ، والمراد هنا بالضم ( وقوله ) فلأن يبطل هو - بفتح اللام - وقد سبق بيانه ( والآمة ) بالمد هي الجراحة الواقعة في الرأس ، بحيث تبلغ أم الدماغ ، والمنفذ - بفتح الفاء - والمثانة - بفتح الميم وبالثاء المثلثة - وهي مجمع البول ، ( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم وهو مقصود الصوم ، ودليله الآية الكريمة [ ص: 335 ] والإجماع .

وممن نقل الإجماع فيه ابن المنذر ، قال الرافعي : وضبط الأصحاب الداخل المفطر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم ، وفيه قيود ( منها ) الباطن الواصل إليه ، وفيما يعتبر به وجهان ، ( أحدهما ) أنه ما يقع عليه اسم الجوف ( والثاني ) يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء ، قال : والأول هو الموافق لتفريع الأكثرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في إبطال الصوم بوصول الواصل إليه ، وقال إمام الحرمين : إذا جاوز الشيء الحلقوم أفطر ، وعلى الوجهين جميعا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة مما يفطر الوصول إليه بلا خلاف ، حتى لو كانت ببطنه أو برأسه مأمومة ، وهي الآمة ، فوضع عليها دواء فوصل جوفه ، أو خريطة دماغه أفطر ، وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة ، وسواء كان الدواء رطبا أو يابسا عندنا ، وحكى المتولي والرافعي وجها أن الوصول إلى المثانة لا يفطر ، واختاره القاضي حسين وهو شاذ ، ( وأما ) الحقنة فتفطر على المذهب .

وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه قاله القاضي حسين : لا تفطر وهو شاذ ، إن كان منقاسا فعلى المذهب ، قال أصحابنا سواء كانت الحقنة قليلة أو كثيرة ، وسواء وصلت إلى المعدة أم لا ، فهي مفطرة بكل حال عندنا ، ( وأما ) السعوط فإن وصل إلى الدماغ أفطر بلا خلاف ، قال أصحابنا : وما جاوز الخيشوم في الاستعاط فقد حصل في حد البطن وحصل به الفطر ، قال أصحابنا : وداخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة والخيشوم له حكم الظاهر في بعض الأشياء حتى لو أخرج إليه القيء أو ابتلع منه نخامة أفطر ، ولو أمسك فيه تمرة ودرهما وغيرهما لم يفطر ما لم ينفصل من التمرة ونحوها شيء ولو تنجس هذا الموضع وجب غسله ، ولم تصح الصلاة حتى يغسله ، وله حكم الباطن في أشياء ( منها ) أنه إذا ابتلع منه الريق لا يفطر ولا يجب غسله على الجنب ، والله أعلم . [ ص: 336 ] وأما ) إذا قطر في إحليله شيئا ، ولم يصل إلى المثانة أو زرق فيه ميلا ، ففيه ثلاثة أوجه ( أصحها ) يفطر وبه قطع الأكثرون لما ذكره المصنف ( والثاني ) لا ( والثالث ) إن جاوز الحشفة أفطر وإلا فلا ، والله أعلم .

( فرع ) لو وصل الدواء إلى داخل لحم الساق أو غرز فيه سكينا أو غيرها فوصلت مخه لم يفطر بلا خلاف ، لأنه لا يعد عضوا مجوفا .

( فرع ) لو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصلت السكين جوفه أفطر بلا خلاف عندنا ، سواء كان بعض السكين خارجا أم لا .

( فرع ) إذا ابتلع طرف الخيط وطرفه الآخر بارزا أفطر بوصول الطرف الواصل ، ولا يعتبر الانفصال من الظاهر ، وحكى الحناطي - بالحاء المهملة - وجها فيمن أدخل طرف خيط جوفه أو دبره ، وبعضه خارجا أنه لا يفطر والمشهور الأول ، وبه قطع جمهور الأصحاب ، ولو ابتلع طرف خيط في الليل ، وطرفه الآخر خارجا فأصبح كذلك - فإن تركه بحاله - لم تصح صلاته ; لأنه حامل لطرفه البارز - وهو متصل بنجاسة ، وإن نزعه أو ابتلعه بطل صومه ، وصحت صلاته إذا غسل فمه بعد النزع . قال أصحابنا : فينبغي أن يبادر غيره إلى نزعه وهو غافل فينزعه بغير رضاه فإن لم يتفق ذلك فوجهان ( أصحهما ) يحافظ على الصلاة فينزعه أو يبلعه ( والثاني ) يتركه على حاله محافظة على الصوم ، ويصلي كذلك ، ويجب إعادة الصلاة لأنه عذر نادر ، وقد سبقت هذه المسألة مبسوطة في باب ما ينقض الوضوء .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث