الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون

أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون .

هذا على طريقة قوله أفرأيتم ما تحرثون الآية ، تفريعا واستفهاما وفعل رؤية .

ومناسبة الانتقال أن الحرث إنما ينبت زرعه وشجره بالماء فانتقل من الاستدلال لتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع والشجر . ووصف الماء بـ الذي تشربون إدماج للمنة في الاستدلال ، أي : الماء العذب الذي تشربونه ، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ليقابل بقوله بعده لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون .

والمراد ماء المطر ولذلك قال أأنتم أنزلتموه من المزن ، والمراد : أنزلتموه [ ص: 324 ] على بلادكم وحروثكم . وماء المطر هو معظم شراب العرب المخاطبين حينئذ ولذلك يقال للعرب : بنو ماء السماء .

والمزن : جمع اسم مزنة وهي السحابة .

ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوما بأن كونه الله تعالى في السحاب بحكمة تكوين الماء . فكما استدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق الإنسان والنبات استدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريبا لإعادة الأجسام بحكمة دقيقة خفية ، أي يجوز أن يمطر الله مطرا على ذوات الأجساد الإنسانية يكون سببا في تخلقها أجسادا كاملة كما كانت أصولها ، كما تتكون الشجرة من نواة أصلها ، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله أم نحن المنزلون .

وقوله أأنتم أنزلتموه من المزن جعل استدلالا منوطا بإنزال الماء من المزن على طريقة الكتابة بإنزاله ، عن تكوينه صالحا للشرب ، لأن إنزاله هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله الذي تشربون . وأعقب بقوله لو نشاء جعلناه أجاجا فحصل بين الجملتين احتباك كأنه قيل : أأنتم خلقتموه عذبا صالحا للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء جعلناه أجاجا ولأمسكناه في سحابته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم تنتفعوا به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث