الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه

جزء التالي صفحة
السابق

الموطن الثاني

في استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مثل أن يطلق النكاح ، ويريد به العقد والوطء جميعا ، وفيه الحالان السابقان من الاستعمال والحمل . أما الاستعمال ففيه مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابنا كما قاله النووي في باب الأيمان من " الروضة " جواز إرادة الحقيقة والمجاز بلفظ واحد ، [ ص: 400 ] وكأن الرافعي لم يقف على النقل عندنا في ذلك ، فقال : استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز مستبعد عند أهل الأصول ، وهو قول القاضي صرح به في كتاب " التقريب " وغلط من نقل عنه المنع وإنما منع الحمل لا الاستعمال كما سنحققه عنه .

وأما الشافعي فجرى على منوال واحد ، فجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وحمله عند الإطلاق عليهما .

وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك في " الأم " عند الكلام فيما إذا عقد لرجلين على امرأة ، ولم يعلم السابق منهما ، ذكر ذلك في باب الوصية من " المطلب " .

وقال إمام الحرمين وابن القشيري : إنه ظاهر اختيار الشافعي ، فإنه قال في مفاوضة له في آية اللمس : هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا .

قلت : وكذلك نصه في قوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } فإنه احتج به على جواز العبور في المسجد لقوله : { إلا عابري سبيل } ، وقال : أراد مواضع الصلاة ، وحمل اللفظ على الصلاة وعلى مواضعها ، ودل على الصلاة قوله : { حتى تعلموا } ، وعلى مواضعها قوله : إلا عابري سبيل " فحمل اللفظ على حقيقته ومجازه ، وأما نصه في " البويطي " على أنه لو أوصى لمواليه وله عتقاء ولهم عتقاء أنها تختص بالأولين مع أنهم مواليه ، والآخرون مجازا بالسببية ، وكذلك لو وقف على أولاده لم يدخل ولد الولد على الأصح ، فليس ذلك [ ص: 401 ] لأجل منع الجمع بين الحقيقة والمجاز ، بل لأن مسألتنا عند الإطلاق والقرينة هنا عينت الحقيقة ، أما الأولى فلأن ولاء مواليهم لهم دونه .

أما الثانية : قال الغزالي : والتعميم بين الحقيقة والمجاز أقرب منه بين حقيقتين .

والمذهب الثاني : وهو قول الحنفية ، واختاره من أصحابنا ابن الصباغ في " العدة " وابن برهان في " الوجيز " ، ونقله صاحب " المعتمد " عن أبي عبد الله البصري وأبي هاشم والكرخي ، لأن الحقيقة أصل والمجاز مستعار ، فلا يتصور اجتماعهما كما لا يتصور كون الثوب على اللابس ملكا وعارية في وقت واحد .

ونقض ابن السمعاني عليهم بقولهم : لو حلف لا يضع قدمه في الدار ، فدخل راكبا وماشيا حنث . قال : تناول الحقيقة والمجاز . قال : لو قال : اليوم الذي يدخل فلان الدار فعبده حر ، فدخل ليلا ونهارا حنث .

وقالوا في " السير الكبير " : لو أخذ الأمان لبنيه دخل بنوه وبنو بنيه ، والظاهر من مذهبنا في الأولى عدم الحنث ، لأنه لا قرينة على إرادة الأشهر فخالفنا القاعدة لهذا ، وفي الثانية موافقتهم ، لأنه نقل الرافعي عن " التتمة " لو قال : أنت طالق اليوم طلقت في الحال وإن كان بالليل . ويلغوا اليوم ، لأنه لم يعلق ، وإنما سمى الوقت بغير اسمه ، وفي الثالثة عدم الدخول كما في الوقف على الأولاد ، ولم يحكموا بقية المذاهب السابقة في الحقيقتين ولا يبعد مجيئها .

وأما الحمل فالمنقول عن الشافعي الجواز طردا لأصله هناك وأما القاضي أبو بكر فسبق عنه هناك الإجمال ، وأنه لا يحمل إلا بقرينة . [ ص: 402 ]

وأما هاهنا فقال إمام الحرمين في " البرهان " : وقد عظم نكير القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز معا ، وقال في تحقيق إنكاره : اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أصل اللسان ، وإنما تصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع ، ويحيل الجمع بين الحقيقة والمجاز محال الجمع بين النقيضين .

قلت : من هنا نقل عن القاضي أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا كما يلزم منه في الجمع بين النقيضين ، ولم يرد القاضي ذلك ، وقد صرح في " التقريب " بجواز الإرادة ، وإنما الذي منعه الحمل عليهما .

قال الإمام : وقول القاضي هو جمع بين النقيضين يرجع إلى اشتقاق الحقيقة والمجاز ، وقال المازري في " شرح التلقين " : استدرك بعض المحققين على القاضي هذا ، وقال : إنما يمنع في حق من خطر بباله من المخلوقين في خطابه حقيقة الحقيقة وحقيقة المجاز ، وأما إذا كان القصد إرسال اللفظة على جميع ما تطلق عليه دون القصد إلى حقائق أو مجاز ، فإن هذا يصح دعوى العموم فيه .

وحقق ابن القشيري مذهب القاضي ، فقال : واعلم أنه يجوز أن يطلق المطلق لفظ اللمس ، ويريد به الحقيقة والمجاز ، فيقول : اللمس ينقض الوضوء وهو يعنيهما ، وقد صرح بتجويزه في بعض كتبه .

قال القاضي : وفي هذا أصل يدق على الفهم ، وهو أن مطلق اللفظ لو خطر له أن يستعمل اللفظ حقيقة ويستعمله مجازا لم يتصور الجمع بين المعنيين ، لأن الحقيقة تقتضي قصرها ، والتجوز يقتضي تعديتها عن أصل [ ص: 403 ] وضعها ، وأما من أراد باللفظ المسميين من غير تعرض الاستعمال حقيقة وتجوزا ، فهذا هو الجائز .

قال ابن القشيري : يعني بهذا أن اللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازا في شيء واحد ، حتى يكون الأسد في البهيمية حقيقة ومجازا ، وأيضا لا يجوز أن يستعمل هذا اللفظ حقيقة من غير تعدية في حال ما تريد أن تستعمله مجازا مع التعدية ، فإنه متناقض .

قال : وما أوهمه كلام إمام الحرمين من أن للقاضي خلافا في المسألة فهو وهم ، لأنه صرح بهذا الذي ذكرناه ، فقال : كل لفظة تنبئ عن معنيين متناقضين لا يجتمعان ، فلا تجوز إرادتهما باللفظة الواحدة كلفظ " افعل " عند منكري الصيغة مترددا بين الإيجاب والندب والإباحة والنهي ، فلا يصح إرادة هذه المعاني باللفظة الواحدة لتناقضها .

قلت : هذا إنما قاله القاضي شرطا للجوار ، وهو أنه حيث يصح الجمع كما اشترط ذلك في الحقيقتين لا منع الإرادة مطلقا .

وقال في " التقريب " ولخصه الإمام في " التلخيص " : اعلم أن إرادة الجمع إنما تصح ممن لا يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز ، ولكن يقتصر على إرادة المسلمين من غير تعرض لوجه الاستعمال حقيقة وتجوزا ، وفي المسألة مذهب ثالث صار إليه القاضي عبد الوهاب في " الملخص " أنه يحمل على الحقيقة خاصة ، لأنها الأصل ورابع حكاه القاضي أيضا أنه يتوقف فيه حتى يبين المراد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث