الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وتحرم المباشرة في الفرج ; لقوله سبحانه وتعالى { فالآن باشروهن } إلى قوله عز وجل { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فإن باشرها في الفرج بطل صومه ، لأنه أحد ما ينافي الصوم ، فهو كالأكل ، وإن باشر فيما دون الفرج فأنزل أو قبل فأنزل بطل صومه ، وإن لم ينزل لم يبطل ; لما روى جابر رضي الله عنه قال : { قبلت وأنا صائم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : قبلت وأنا صائم ، فقال : أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم } فشبه القبلة بالمضمضة ، وقد ثبت أنه إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر ، وإن لم يصل لم يفطر ، فدل على أن القبلة مثلها ، فإن جامع قبل طلوع الفجر فأخرج مع الطلوع وأنزل لم يبطل صومه ، لأن الإنزال تولد من مباشرة هو مضطر إليها ، فلم يبطل الصوم . وإن نظر وتلذذ فأنزل لم يبطل صومه ; لأنه إنزال من غير مباشرة فلم يبطل الصوم كما لو نام فاحتلم . وإن استمنى فأنزل بطل صومه ; لأنه إنزال عن [ ص: 348 ] مباشرة ، فهو كالإنزال عن القبلة ; ولأن الاستمناء كالمباشرة فيما دون الفرج من الأجنبية في الإثم والتعزير فكذلك في الإفطار ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث المذكور مما غيره المصنف ، فجعله عن جابر وأنه هو المقبل وليس هو كذلك ، وإنما المقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو السائل ، وهذا لفظ الحديث في سنن أبي داود ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي وجميع كتب الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : { قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هششت فقبلت وأنا صائم ، فقلت : يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما ، قبلت وأنا صائم ، قال : أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم ؟ قلت : لا بأس قال : فمه } هذا لفظ الحديث في سنن أبي داود وغيره وإسناده صحيح على شرط مسلم ، ورواه الحاكم وقال : هو صحيح على شرط البخاري ومسلم ، ولا يقبل قوله : إنه على شرط البخاري ، إنما هو على شرط مسلم ، قال الخطابي : في هذا الحديث إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد لاجتماعهما في الشبه ; لأن المضمضة بالماء ذريعة إلى نزوله إلى البطن فيفسد الصوم ، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم فإذا كان أحدهما غير مفطر وهو المضمضة فكذا الآخر .

( وقوله ) هششت ، معناه نشطت وارتحت ، وقول المصنف وقد ثبت أنه لو تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر ، هذا تفريع منه على أحد القولين في المضمضة ، ( أما الأحكام ) ففي الفصل مسائل : ( إحداها ) أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل والدبر على الصائم وعلى أن الجماع يبطل صومه ; للآيات الكريمة التي ذكرها المصنف والأحاديث الصحيحة ، ولأنه مناف للصوم فأبطله كالأكل ، وسواء أنزل أم لا ، فيبطل صومه في الحالين بالإجماع ; لعموم الآية والأحاديث ، ولحصول المنافي ، ولو لاط برجل أو صبي أو أولج في قبل بهيمة أو دبرها بطل صومه بلا خلاف عندنا ، سواء [ ص: 349 ] أنزل أم لا قال أبو حنيفة في اللواط كمذهبنا ، وقال في البهيمة : إن أنزل بطل صومه وإلا فلا ، وسواء في الوطء وطء زوجته وأمته وأجنبية بزنا أو شبهة ، فكله يفطر به إذا كان عالما بالصوم .



( الثانية ) إذا قبل أو باشر فيما دون الفرج بذكره أو لمس بشرة امرأة بيده أو غيرها ، فإن أنزل المني بطل صومه وإلا فلا ، لما ذكره المصنف ، ونقل صاحب الحاوي وغيره الإجماع على بطلان صوم من قبل أو باشر دون الفرج فأنزل ، ويستدل أيضا لعدم الفطر إذا لم ينزل بالأحاديث الصحيحة المشهورة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم } وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى ، وهذا الذي ذكرناه هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور . وحكى إمام الحرمين عن والده أنه حكى وجهين فيمن ضم امرأة إلى نفسه وبينهما حائل فأنزل ، قال : وهو عندي كسبق ماء المضمضة ، قال : فإن ضاجعها متجردا فهو كالمبالغة ، في المضمضة ، قال : وقد وجدت للشيخ أبي علي السنجي في الشرح رمزا إلى هذا ( قلت ) قد جزم المتولي بأنه لو قبلها فوق خمار فأنزل لا يفطر ; لعدم المباشرة ، قال : ولو لمس شعرها فأنزل ففي بطلان صومه وجهان بناء على انتقاض الوضوء بمسه .



( الثالثة ) إذا جامع قبل الفجر ثم نزع مع طلوعه أو عقب طلوعه وأنزل لم يبطل صومه ; لأنه تولد من مباشرة مباحة فلم يجب فيه شيء ، كما لو قطع يد رجل قصاصا فمات منه فهذا هو التعليل الصحيح ، وأما قول المصنف لأنه تولد من مباشرة هو مضطر إليها فليس بمقبول .



( الرابعة ) إذا نظر إلى امرأة ونحوه وتلذذ فأنزل بذلك لم يفطر ، سواء كرر النظر أم لا ، وهذا لا خلاف فيه عندنا إلا وجها شاذا حكاه السرخسي في الأمالي أنه إذا كرر النظر فأنزل بطل صومه ، والمذهب الأول ، وبه قال أبو الشعثاء جابر بن زيد التابعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف وأبو ثور ، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري هو كالجماع ، فيجب القضاء والكفارة ونحوه عن الحسن بن صالح ، وعن مالك روايتان ، ( إحداهما ) كالحسن [ ص: 350 ] والثانية ) إن تابع النظر فعليه القضاء والكفارة ، وإلا فالقضاء قال ابن المنذر : لا شيء عليه ، ولو احتاط فقضى يوما فحسن ، قال صاحب الحاوي : أما إذا فكر بقلبه من غير نظر فتلذذ فأنزل فلا قضاء عليه ولا كفارة بالإجماع ، قال : وإذا كرر النظر فأنزل أثم ، وإن لم يجب القضاء .



. ( الخامسة ) إذا استمنى بيده وهو استخراج المني أفطر بلا خلاف عندنا ، لما ذكره المصنف ، ولو حك ذكره لعارض فأنزل فوجهان حكاهما الصيمري وصاحب البيان ، قالوا : ويشبه أن يكونا مبنيين على القولين فيمن سبق ماء المضمضة إلى جوفه .

( قلت ) والأصح أنه لا يفطر في مسألة حك الذكر لعارض ; لأنه متولد من مباشرة مباحة ، والله أعلم .

( أما ) إذا احتلم فلا يفطر بالإجماع ; لأنه مغلوب كمن طارت ذبابة فوقعت في جوفه بغير اختياره ، فهذا هو المعتمد في دليل المسألة ( وأما ) الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " { لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم } فحديث ضعيف لا يحتج به ، وسبق بيانه في مسألة القيء ، والله أعلم .



( فرع ) لو قبل امرأة وتلذذ فأمذى ولم يمن ، لم يفطر عندنا بلا خلاف ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور قال : وبه أقول ، وقال مالك وأحمد : يفطر ، دليلنا أنه خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول .



( فرع ) قال صاحب البيان : إذا أمنى الخنثى المشكل عن مباشرة وهو صائم أو رأى الدم يوما كاملا من فرج النساء لم يبطل صومه ; لاحتمال أنه عضو زائد ، وإن أمنى من فرج الرجال عن مباشرة ورأى الدم في ذلك اليوم من فرج النساء ، واستمر الدم أقل مدة الحيض ، بطل صومه ; لأنه إن كان رجلا فقد أنزل عن مباشرة ، وإلا فقد حاضت ، فإن استمر به الدم بعد ذلك أياما ولم ينزل عن ، [ ص: 351 ] مباشرة من آلة الرجل لم يبطل صومه في انفراد الدم أو الإنزال ، ولا كفارة حيث قلنا بفطره للاحتمال ، هذا كلام صاحب البيان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث