الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( ( الخاتمة ) )

( نسأل الله تعالى حسن الخاتمة )

في فوائد جليلة وفوائد جزيلة لا يسع من خاض في مثل هذه العلوم الجهل بها ، وهي قسمان : مفردات ومركبات كما قال الإمام الموفق ، ولذا قال :

( ( مدارك العلوم في العيان محصورة في الحد والبرهان ) )


( ( وقال قوم عند أصحاب النظر     حس وإخبار صحيح والنظر ) )



( ( مدارك العلوم ) ) المدارك جمع مدرك من أدرك الشيء بالشيء ، واستدركه حاول إدراكه به وأدرك الشيء أحاط به وبلغ وقته وانتهى إلى العلم به والإحاطة بحكمه ، والمراد المدرك بالعقول لأنا نشاهد قطعا آثار العقول في الآراء والحكم والحيل وغيرها متفاوتة ، وذلك يدل على [ ص: 437 ] تفاوت العقول في نفسها ، والعقول جمع عقل وهو لغة المنع سمي به لمنعه صاحبه من الرذائل والقبائح ، ولذا لا يطلق عليه تعالى العاقل ، واصطلاحا ما يحصل به الميز بين المعلومات ، وعن الإمام الشافعي أنه قال : العقل آلة التمييز والإدراك . وهو غريزة ، قاله الإمام أحمد - رضي الله عنه - وقال الحارث المحاسبي : ليس مكتسبا بل خلقه الله تعالى يفارق به بين الإنسان والبهيمة ، ويستعد به لقبول العلم وتدبير الصنائع الفكرية ، فكأنه نور يقذف في القلب كالعلم الضروري ، والصبا ونحوه حجاب له ، قال القاضي وغيره : إنه غير مكتسب كالضروري ، وقال البربهاري من أصحابنا : ليس العقل بجوهر ولا عرض ولا اكتساب ، وإنما هو فضل من الله تعالى . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - : وهذا يقتضي أنه القوة المدركة كما دل عليه كلام الإمام أحمد لا الإدراك ، وهو بعض العلوم الضرورية عند أصحابنا ، والأكثر يستعد بها لفهم دقائق العلوم وتدبير الصنائع الفكرية ، وقاله أبو بكر الباقلاني وابن الصباغ وغيرهما ، فخرجت العلوم الكسبية ، لأن العاقل يتصف بكونه عاقلا مع انتفاء العلوم النظرية ، وإنما قالوا بعض العلوم الضرورية لأنه لو كان جميعها لوجب أن يكون الفاقد للعلم بالمدركات غير عاقل لعدم الإدراك المعلق عليها ، والمشاهد خلافه ، ومحل العقل القلب عندنا وعند الشافعية والأطباء وله اتصال بالدماغ ، وروي عن الإمام أحمد أن محله الدماغ وهو قول أبي حنيفة والطوفي من أصحابنا ، وقيل في الدماغ إن قلنا إنه جوهر وإلا ففي القلب . والصحيح أن العقل يختلف كالمدرك به ، وقال الإمام ابن عقيل من علمائنا والأشاعرة والمعتزلة : العقل لا يختلف لأنه حجة عامة يرجع إليه الناس عند اختلافهم ، ولو تفاوتت العقول لما كان كذلك .

وقال غير واحد : العقل عقلان غريزي وتجريبي مكتسب ، فالعقل الغريزي لا يختلف ، وأما الكسبي فيختلف . وحمل العلامة الطوفي الخلاف على ذلك . قوله ( ( في العيان ) ) أي المشاهدة وبادئ النظر لذوي العرفان ( ( محصورة ) ) في شيئين لا ثالث لهما أي محبوسة وممنوعة فيهما ومقصورة عليهما لا تتجاوزهما ( ( في الحد ) ) ، ويأتي الكلام عنه قريبا ( ( و ) ) في ( ( البرهان ) ) هو الحجة [ ص: 438 ] والدليل في الحديث : " الصدقة برهان " . أي أنها حجة لطالب الأجر من أنها قرض يجازي الله به عليه ، وقيل بل هي دليل على صحة إيمان صاحبها لطيب نفسه بإخراجها ، وذلك لعلاقة ما بين النفس والمال . والبرهان عند أهل الميزان قياس مؤلف من مقدمات يقينية لإنتاج يقينيات . واليقين اعتقاد أن الشيء كذا مع اعتقاد أنه لا يكون إلا كذا مع مطابقته للواقع وامتناع تغيره .

( ( وقال قوم ) ) بل مدارك العلم ( ( عند أصحاب النظر ) ) الفكر والتدقيق والبحث والتحقيق ، أعني علماء النظر وهم النظار من المتكلمة والمنطقيين وعلماء الأصول ثلاثة ، أحدها ( ( حس ) ) أي ما يدرك بأحد الحواس الخمسة وهي جمع حاسة بمعنى القوة الحاسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، فخلق الله تعالى كلا من تلك الحواس لإدراك أشياء مخصوصة ، فالسمع للأصوات ، والذوق للطعوم ، والشم للروائح ، والبصر للمرئيات ، واللمس للملموسات ، وهي القوة المنبثة في جميع البدن ، يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك عند التماس والاتصال ، فلا يدرك بواحدة ما يدرك بالحاسة الأخرى والمدرك بشيء منها يقال له محسوس .

( ( و ) ) الثاني ( ( إخبار صحيح ) ) ثابت رجيح مطابق للواقع ، فإن الخبر كلام يحتمل الصدق والكذب احتمالا متساويا بقطع النظر عن قائله ، وله نسبة خارجة فإن طابقته فصادق وإلا فكاذب ، وهذا الخبر هو الذي يفيد العلم على نوعين : ( أحدهما ) المتواتر الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب ، ومصداقه وقوع العلم من غير شبهة ، وهو موجب للعلم الضروري كالعلم بالملوك الماضية في الأزمنة الخالية والبلدان النائية كوجود مكة وبغداد ، فإن من لم يحسن الاكتساب ولا ترتيب المقدمات من النساء والصبيان يدرك ذلك فلو لم يكن العلم بذلك ضروريا لما أحسنوا ذلك ، وأما خبر النصارى بقتل عيسى - عليه السلام - واليهود بتأبيد دين موسى - عليه السلام - فتواتره ممنوع ، لأن مستنده مجرد الوهم والهوى . فإن قيل خبر كل واحد لا يفيد إلا الظن ، وضم الظن إلى الظن لا يوجب [ ص: 439 ] اليقين ، وأيضا جواز كذب كل واحد يوجب جواز كذب المجموع لأنه نفس الآحاد ؟ فالجواب الهيئة الاجتماعية أوجبت له من القوة ما لم تكن لأفراده كقوة الحبل المؤلف من الشعر مع الشعرات . فإن قيل الضروريات لا يقع فيها تفاوت ولا اختلاف ، ونحن نجد العلم بكون الواحد نصف الاثنين أقوى من العلم بوجود إسكندر والمتواتر قد أنكر إفادته العلم جماعة من العقلاء كالسمنية والبراهمة . فالجواب هذا ممنوع بل قد يتفاوت أنواع الضروري بواسطة التفاوت بالإلف والعادة والممارسة والإخطار بالبال ، وتصور أطراف الأحكام ، وقد يختلف فيه مكابرة وعنادا كالسوفسطائية في جميع الضروريات كما سننبه عليه قريبا .

( النوع الثاني ) من نوعي الخبر المفيد للعلم خبر الرسول المؤيد بالمعجزة الخارقة المقرونة بالتحدي كما مر ، فيوجب العلم الاستدلالي للقطع بأن من أظهر الله تلك المعجزة على يده تصديقا له في دعوى الرسالة لا يكون إلا صادقا فيما أتى به من الأحكام ، وإذا كان صادقا يقع العلم بمضمونها قطعا ، وإنما كان استدلاليا لتوقفه على الاستدلال واستحضار أنه خبر من ثبتت رسالته بالمعجزات ، وكل خبر هذا شأنه فهو صادق ومضمونه واقع ، والعلم الثابت بخبر الرسول يشابه العلم الثابت بالضرورة كالمحسوسات والمتواترات في التيقن والثبات .

( ( و ) ) الثالث من مدارك العلم ( ( النظر ) ) أي الفكر الذي يطلب به علم أو ظن ، قال العلامة شهاب الدين أحمد بن قاضي الجبل من محققي علمائنا : النظر لغة الانتظار والرؤية والرأفة والتفكر ، وعرفا الفكر المطلوب به علم أو ظن فينتقل من أمور حاصلة ذهنا إلى أمور مستحصلة ، وقد يطلق على حركة النفس التي تليها البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة أي حركة كانت في المعقولات والمحسوسات تسمى تخيلا لا فكرا ، وقال الإمام ابن عقيل في الواضح : النظر هو الأصل في تحصيل هذا الأمر والطريق إليه ، وهو اسم مشترك يقع على الرؤية بالبصر كما قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وعلى الانتظار للمنتظر والتوقع له : ( فناظرة بم يرجع المرسلون ) وهو هاهنا أي في عرف الأصليين التأمل [ ص: 440 ] والتفكر والاعتبار بمعرفة الحق من الباطل ، والفصل بين الحجة والشبهة ، وهو فكرة القلب وتأمله ونظره المطلوب به علم هذه الأمور وغلبة الظن لبعضها ، وقد يصيب الناظر فيها وقد يخطئ وكلاهما نظر منه ، وقد ينظر في شبهة وفي دليل وقد يصل بنظره إلى العلم تارة إذا سلك فيه المسلك الصحيح ورتبه على واجبه ومقتضاه ، وقد لا يصل إليه إذا قصر وغلط وخلط فيه أو نظر فيما هو شبهة وليس بدليل ، وللنظر آلة وغرض فالآلة هو المطلوب من أجل غيره والغرض هو المطلوب من أجله في نفسه ، فالغرض كمعرفة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .

والحاصل أن أسباب العلم ثلاثة : الحواس السليمة والخبر الصادق والعقل ، ووجهة الحصر أن السبب إن كان من خارج فالخبر الصادق ، وإلا فإن كان آلة غير المدرك فالحواس وإلا فالعقل - وإن كان المؤثر في العلوم كلها في الحقيقة هو الله تعالى ، لأنها بخلقه وإيجاده ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث