الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وسترها في الحدود أحب ) لقوله عليه الصلاة والسلام للذي شهد عنده { لو سترته بثوبك لكان خيرا لك } والمخاطب هزال والضمير في سترته لماعز رضي الله عنه وتعقب الاستدلال بذلك فإن ماعزا أقر بالزنا ولم يشهد عليه أحد وإنما هزال أشار عليه بالإقرار فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهزال ذلك قال لم أدر أن في الأمر سعة وللحديث { من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة } وفيما نقل من تلقين الدرء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم دلالة ظاهرة على أفضلية الستر وأفاد بقوله : أحب أن عدمه جائز إقامة للحسية لما فيه من إزالة الفساد أو تقليله فكان حسنا ولا يعارضه قوله تعالى { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا } الآية لأن ظاهرها أنهم يحبون ذلك لأجل إيمانهم وذلك صفة الكافر ولأن مقصود الشاهد ارتفاعها لا إشاعتها وكذا لا يعارض أفضلية الستر آية النهي عن كتمانها لأنها من حقوق العباد بدليل قوله تعالى { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } إذ الحدود لا مدعي فيها ورد قول من قال إنها في الديون بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما ذكره الرازي أو لأنه عام مخصوص بأحاديث الستر وفي فتح القدير .

فإن قلت : كيف صح لك القول بتخصيص عام الكتاب بهذه وهي أخبار آحاد وأيضا شرط التخصيص عندكم المقارنة ومن أين ثبت لك ذلك قلت : هذه الأخبار الواردة في طلب الستر بلغت مبلغا لا ينحط بها عن درجة الشهرة لتعدد متونها مع قبول الأمة لها فصح التخصيص بها أو هي مستند الإجماع على تخيير الشاهد في الحدود فثبوت الإجماع دليل ثبوت المخصص .

وأما المقارنة فإنما هي شرط التخصيص في نفس الأمر وهذا التخصيص الذي ادعيناه ليس بذلك بل هو جمع للمعارضة على ما كتبناه في التعارض في كتاب تحرير الأصول من أن الجمع بين العام والخاص إذا تعارضا بأن يحمل على تخصيصه به فإذا وجب حمله على ذلك تضمن الحكم منا بأنه كان مقارنا أو لأنها ليست مخصصات أول كما إذا رجحنا في التعارض المحرم على المبيح وثبت صحتها تضمن حكمنا بأن المبيح كان مقدما على المحرم فنسخ حكم الوجوب ترجيح المحرم وإن لم يعلم تقدمه بعلم تاريخه وكثيرا ما يعترض بعض متأخري الشارحين على كثير من المواضع المحكوم فيها بالتخصيص من أصحابنا بأن المقارنة غير معلومة فلا يثبت التخصيص ومرادهم في تلك الأماكن ما ذكرنا هذا كله إذا نظرنا إلى مجرد إطلاق قوله تعالى { ولا يأب [ ص: 60 ] الشهداء إذا ما دعوا } أما إذا قيدناه بما إذا دعوا للشهادة في الدين المذكور أول الآية فظاهر . ا هـ .

والأخير مردود بما قدمناه وفيه أيضا من كتاب الحدود وإذا كان الستر مندوبا إليه ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الأولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه ; لأنها في رتبة الندب في جانب الفعل وكراهة التنزيه في جانب الترك وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به بل بعضهم ربما افتخر به فيجب كون الشهادة أولى من تركها ; لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك وذلك يتحقق بالتوبة من الغافلين وبالزجر لهم فإذا ظهر حال الشهرة في الزنا مثلا والشرب وعدم المبالاة به وإشاعته فإخلاء الأرض المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها ممن اتصف بذلك فيجب تحقيق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود خلاف من زنى مرة أو مرارا مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد وقوله عليه الصلاة والسلاملهزال في ماعز لو كنت سترته بثوبك الحديث وسيأتي كان في مثل من ذكرنا وعلى هذا ذكره في غير مجلس القاضي وأداء الشهادة بمنزلة الغيبة فيه فيحرم منه ما يحرم منها ويحل منه ما يحل منها . ا هـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث