الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ جواب الذين أبطلوا الحيل ]

قال المبطلون للحيل : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فسبحان الله الذي فرض الفرائض وحرم المحارم وأوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد ، وجعل شريعته الكاملة قياما للناس وغذاء لحفظ حياتهم ، ودواء لدفع أدوائهم ، وظله الظليل الذي من استظل به أمن من الحرور ، وحصنه الحصين الذي من دخله نجا من الشرور ، فتعالى شارع هذه الشريعة [ ص: 162 ] الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه ، وتحل محارمه ، وتبطل حقوق عباده ، ويفتح للناس أبواب الاحتيال ، وأنواع المكر والخداع ، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة ، إلى الأمور المحرمة الممنوعة ، وأن يجعلها مضغة لأفواه المحتالين ، عرضة لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون ، ويظهرون خلاف ما يبطنون ، ويرتكبون العبث الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين وسخرية الساخرين .

فيخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المجان ، فيحرمون الشيء ثم يستحلونه إياه بعينه بأدنى الحيل ، ويسلكون إليه نفسه طريقا توهم أن المراد غيره ، وقد علموا أنه هو المراد لا غيره ، ويسقطون الحقوق التي وصى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء ، ويفرقون بين متماثلين من كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما ، ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبا مما يوجبونه . والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد ، وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد ، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه ، ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه ; فهو نوره المبين ، وحصنه الحصين ، وظله الظليل ، وميزانه الذي لا يعول ، لقد تعرف بها إلى ألباء عباده غاية التعرف ، وتحبب بها إليهم غاية التحبب ، فأنسوا بها من حكمته البالغة ، وتمت بها عليهم منه نعمه السابغة ، ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية ، وأنه الموصوف بصفات الكمال ، المستحق لنعوت الجلال ، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الأعلى ، فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته ، ولا العبث ولا الجور في أفعاله ، بل هو منزه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه . تبارك اسمه ، وتعالى جده ، وبهرت حكمته ، وتمت نعمته ، وقامت على عباده حجته ، والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف ، فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

بل هي شريعة مؤتلفة النظام ، متعادلة الأقسام ، مبرأة من كل نقص ، مطهرة من كل دنس مسلمة لا شية فيها ، مؤسسة على العدل والحكمة ، والمصلحة والرحمة ، قواعدها ومبانيها ، إذا حرمت فسادا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره ، وإذا رعت صلاحا رعت ما هو فوقه أو شبهه ; فهي صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج ، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج ، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل ، لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق ، ولم تنه عن شيء فيقول الحجا لو أباحته لكان أرفق ، بل أمرت بكل صلاح ، ونهت عن كل فساد ، وأباحت كل طيب ، وحرمت كل خبيث ، فأوامرها [ ص: 163 ] غذاء ودواء ، ونواهيها حمية وصيانة ، وظاهرها زينة لباطنها ، وباطنها أجمل من ظاهرها ، شعارها الصدق ، وقوامها الحق ، وميزانها العدل ، وحكمها الفصل ، لا حاجة بها ألبتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح ، بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة إليها ، ومن وفق للصواب فلاعتماده وتعويله عليها .

لقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك ، وحيل المتحيلين ، وأقيسة القياسيين ، وطرائق الخلافيين ، وأين كانت هذه الحيل والأقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القدد وقت نزول قوله { اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا } ؟ وأين كانت يوم قوله صلى الله عليه وسلم : { لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك } .

ويوم قوله صلى الله عليه وسلم { ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه }

؟ وأين كانت عند قول أبي ذر : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما .

وعند قول القائل لسلمان : لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة ، فقال : أجل ؟ فأين علمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه ؟ كلا والله ، بل حذرهم أشد التحذير ، وأوعدهم عليه أشد الوعيد ، وجعله منافيا للإيمان ، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه ، وقال لأمته : { لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل } ، وأغلق أبواب المكر والاحتيال ، وسد الذرائع ، وفصل الحلال من الحرام ، وبين الحدود ، وقسم شريعته إلى حلال بين وحرام بين ، وبرزخ بينهما ; فأباح الأول ، وحرم الثاني ، وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام ، وقد أخبر الله تعالى عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه .

قال أبو بكر الآجري : وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس : لقد مسخ اليهود قردة بدون هذا ، وصدق والله لآكل حوت صيد يوم السبت أهون عند الله وأقل جرما من آكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة ، ولكن كما قال الحسن : عجل لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء . وقال الإمام أبو يعقوب الجوزجاني : وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخ إلا باحتيالهم على أمر الله بأن حفروا الحفائر على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها [ ص: 164 ] إلى الأحد فأخذوها . وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدرة إذ صيرها في قصبة ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرفعت .

وقال بعض الأئمة : في هذه القصة مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المناهي الشرعية ممن تلبس بعلم الفقه وليس بفقيه ; إذ الفقيه من يخشى الله عز وجل في الربويات ، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات ، وغير ذلك من العظائم والمصائب الفاضحات ، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح ، فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ؟

وقال : وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت ، والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل ، فإذا عرف قدر الشرع ، وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبين له حقيقة الحال ، وقطع بأن الله تعالى يتنزه ويتعالى أن يشرع لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث