الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه

( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين )

قوله عز وجل : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين )

قال صاحب الكشاف : ( فأزلهما الشيطان عنها ) تحقيقه ، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ، ولفظة ( عن ) في هذه الآية كهي في قوله تعالى : ( وما فعلته عن أمري ) [ الكهف : 82 ] قال القفال رحمه الله : هو من الزلل ، يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء فيزل عنه ويصير متحولا عن ذلك الموضع ، ومن قرأ : ( فأزلهما ) فهو من الزوال عن المكان ، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا حتى زلت عنه ، وأزللتك حتى زللت ، ومعناهما واحد ، أي : حولتك عنه ، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استزلهما ، فهو من قولك : زل في دينه إذا أخطأ ، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه . واعلم أن في الآية مسائل :

( المسألة الأولى ) : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة :

أحدها : ما يقع في باب الاعتقاد .

وثانيها : ما يقع في باب التبليغ .

وثالثها : ما يقع في باب الأحكام والفتيا .

ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم .

أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة . وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب ، والذنب عندهم كفر وشرك ، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم ، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية .

أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف ، فيما يتعلق بالتبليغ ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء ، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا كما لا يجوز أيضا سهوا ، ومن الناس من جوز ذلك سهوا ، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن .

وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد ، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون .

[ ص: 8 ]

وأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم ، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال : أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية .

والثاني : قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف ، وهذا قول أكثر المعتزلة .

القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد ألبتة ، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي .

القول الرابع : أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مؤاخذون بما يقع منهم على هذه الجهة ، وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم ؛ وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر ، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم .

القول الخامس : أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ ، وهو مذهب الرافضة ، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال :

أحدها : قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة .

وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة ، وهو قول كثير من المعتزلة .

وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة ، أما قبل النبوة فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة . والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة ولا الصغيرة ، ويدل عليه وجوه :

أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز ، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف ، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ) ، [ الأحزاب : 30 ] والمحصن يرجم وغيره يحد ، وحد العبد نصف حد الحر ، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة فذاك بالإجماع .

وثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة ؛ لقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) [ الحجرات : 6 ] لكنه مقبول الشهادة ، وإلا كان أقل حالا من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك ، وأيضا فهو يوم القيامة شاهد على الكل ؛ لقوله : ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [ البقرة : 143 ] .

وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها ، فلم يكن إيذاؤه محرما لكنه محرم ؛ لقوله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) [ الأحزاب : 57 ] .

ورابعها : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها ؛ لقوله تعالى : ( فاتبعوني ) فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال ، وإذا ثبت ذلك في حق محمد صلى الله عليه وسلم ثبت أيضا في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق .

وخامسها : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحا للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده . هذا معلوم القبح بالضرورة .

وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب ؛ لقوله تعالى : ( ومن يعص الله [ ص: 9 ] ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ) [ الجن : 23 ] ولا استحقوا اللعن لقوله : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [ هود : 18 ] وأجمعت الأمة على أن أحدا من الأنبياء لم يكن مستحقا للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه .

وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) [ البقرة : 44 ] وقال : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) [ هود : 88 ] ، فما لا يليق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام .

وثامنها : قوله تعالى : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) [ الأنبياء : 90 ] ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ، ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي ، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم .

وتاسعها : قوله تعالى : ( وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) [ ص : 47 ] ، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلان من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته ، فثبت أنهم كانوا أخيارا في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . وقال : ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) [ الحج : 75 ] ، ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [ آل عمران : 33 ] . وقال في إبراهيم : ( ولقد اصطفيناه في الدنيا ) [ البقرة : 130 ] . وقال في موسى : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) [ الأعراف : 144 ] . وقال : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) [ ص : 47 ] . فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم .

عاشرها : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله : ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) [ ص : 83 ] ، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام . قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب : ( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ) [ ص : 46 ] وقال في يوسف : ( إنه من عبادنا المخلصين ) [ يوسف : 24 ] ، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل ؛ لأنه لا قائل بالفرق .

والحادي عشر : قوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) [ سبأ : 20 ] ، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم وإلا فقد كانوا متبعين له ، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنبياء أو غيرهم ، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق ، فيكون غير النبي أفضل من النبي ، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم .

الثاني عشر : أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال : ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) [ المجادلة : 19 ] وقال في الصنف الآخر : ( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) [ المجادلة : 22 ] ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان ، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية ، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان ، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه [ ص: 10 ] من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله ، وأنهم من المفلحين ، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول ، وهذا لا يقوله مسلم .

الثالث عشر : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لا يصدر الذنب من الرسول ، وإنما قلنا : إنه أفضل ؛ لقوله تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [ آل عمران : 33 ] ، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر ، وإنما قلنا : إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول ؛ لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال : ( لا يسبقونه بالقول ) [ الأنبياء : 27 ] وقال : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6 ] ، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك ؛ لقوله تعالى : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) [ ص : 28 ] .

الرابع عشر : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف شهدت لي " فقال : يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة .

الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام : ( إني جاعلك للناس إماما ) [البقرة : 124] والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب ، وذلك يفضي إلى التناقض .

السادس عشر : قوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة : 124 ] والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة ، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا تثبت الإمامة للظالمين ، وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به ويقتدى به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث